تقييم المستخدم:  / 7
سيئجيد 

كتاب أسرار الصوم

وهو الكتاب السادس من ربع العبادات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أعظم  على عباده المنة ، بما دفع عنهم كيد الشيطان وفنه ، ورد أمله وخيب ظنه ، إذ جعل الصوم حصنا لأوليائه وجنة ، وفتح لهم به أبواب الجنة ، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنة ، وإن بقمعها تصبح النفس المطمئنة ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنة ، والصلاة على محمد قائد الخلق ، وممهد السنة ، وعلى آله وأصحابه ذوي الأبصار الثاقبة والعقول المرجحة وسلم تسليما كثيرا. 

أما بعد : فإن الصوم ربع الإيمان بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم : ((الصوم نصف الصبر))[1] وبمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم : ((الصبر نصف الإيمان))[2] ثم هو متميز بخاصية النسبة إلى الله تعالى من بين سائر الأركان إذ قال الله تعالى فيما حكاه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم : ((كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام ، فإنه لي وأنا أجزي به))[3] وقد قال الله تعالى : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ (الزمر : 10)) والصوم نصف الصبر فقد جاوز ثوابه قانون التقدير والحساب وناهيك في معرفة فضله قوله صلى الله عليه وسلم : ((والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يقول الله عز وجل إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه لأجلي فالصوم لي وأنا أجزي به))[4] وقال صلى الله عليه وسلم : ((للجنة باب يقال له الريال لا يدخله إلا الصائمون وهو موعود بلقاء الله تعالى في جزء صومه))[5] وقال صلى الله عليه وسلم : ((للصائم فرحتان : فرحة عند إفطاره ، وفرحة عند لقاء ربه))[6] وقال صلى الله عليه وسلم : ((لكل شيء باب وباب العبادة الصوم))[7] وقال صلى الله عليه وسلم : ((نوم الصائم عبادة))[8] وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : ((إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ونادى مناد يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر))[9] وقال وكيع في قوله تعالى : ﴿ كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ﴾ (الحاقة : 24) هي أيام الصيام إذ تركوا فيها الأكل والشرب ، وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رتبة المباهاة بين الزهد في الدنيا وبين الصوم فقال : ((إن الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول أيها الشاب التارك شهوته لأجلي المبذل شبابه لي أنت عندي كبعض ملائكتي))[10] وقال صلى الله عليه وسلم في الصائم : ((يقول الله عز وجل : انظروا يا ملائكتي إلى عبدي ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي))[11] وقيل في قوله تعالى : ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ﴾ (السجدة : 17)  قيل كان عملهم الصيام لأنه قال : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ (الزمر : 10) فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغا ويجازف جزافا فلا يدخل تحت وهم وتقدير ، وجدير بأن يكون كذلك ؛ لأن الصوم إنما كان له ومشرفا بالنسبة إليه وإن كانت العبادات كلها له كما شرف البيت بالنسبة إلى نفسه والأرض كلها له لمعنيين

أحدهما : أن الصوم كف وترك وهو في نفسه سر ليس فيه عمل يشاهد ، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى ، والصوم لا يراه إلا الله عز وجل فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد.

والثاني : أنه قهر لعدو الله عز وجل فإن وسيلة الشيطان لعنه الله الشهوات ، وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ((إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع))[12] ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : ((داومي قرع باب الجنة ، قالت : بماذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : بالجوع))[13] وسيأتي فضل الجوع في كتاب شره الطعام ، وعلاجه من ربع المهلكات.

فلما كان الصوم على الخصوص قمعا للشيطان وسدا لمسالكه وتضييقا لمجاريه استحق التخصيص بالنسبة إلى الله عز وجل ففي قمع عدو الله نصرة لله سبحانه وناصر الله تعالى موقوف على النصرة له قال الله تعالى : ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ (محمد : 7) فالبداية بالجهد من العبد والجزاء بالهداية من الله عز وجل ، ولذلك قال تعالى : ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ (العنكبوت : 69)  وقال تعالى : ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ (الرعد : 11)  وإنما التغير تكثير الشهوات فهي مرتع الشياطين ومرعاهم فما دامت مخصبة لم ينقطع ترددهم وما داموا يترددون لم ينكشف للعبد جلال الله سبحانه وكان محجوبا عن لقائه ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات))[14] فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة وصار جنة وإذا عظمت فضيلته إلى هذا الحد فلا بد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة بذكر أركانه وسننه وشروطه الباطنة ونبين ذلك بثلاثة فصول.


 

1 حديث ((الصوم نصف الصبر)) أخرجه الترمذي وحسنه من حديث رجل من بني سليم وابن ماجه من حديث أبي هريرة.

2 حديث ((الصبر نصف الإيمان)) أخرجه أبو نعيم في الحلية ، والخطيب في التاريخ من حديث ابن مسعود بسند حسن.

3 حديث ((كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم... الحديث)) أخرجاه من حديث أبي هريرة.

4 حديث ((والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم... الحديث)) أخرجاه من حديثه وهو بعض الذي قبله.

5 حديث ((للجنة باب يقال له الريان... الحديث)) أخرجاه من حديث سهل بن سعد.

6 حديث ((للصائم فرحتان... الحديث)) أخرجاه من حديث أبي هريرة.

7 حديث ((لكل شيء باب وباب العبادة الصوم)) أخرجه ابن المبارك في الزهد ، ومن طريقه أبو الشيخ في الثواب من حديث أبي الدرداء بسند ضعيف. 

8 حديث ((نوم الصائم عبادة)) رويناه في أمالي ابن منده من رواية ابن المغيرة القواس عن عبد الله بن عمر بسند ضعيف ولعله عبد الله بن عمرو فإنهم لم يذكروا لابن المغيرة رواية إلا عنه ، ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث عبد الله بن أبي أوفى ، وفيه سليمان بن عمرو النخعي أحد الكذابين. 

9 حديث ((إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة))  أخرجه الترمذي وقال : غريب. وابن ماجه والحاكم وصححه على شرطهما من حديث أبي هريرة ، وصحح البخاري وقفه على مجاهد وأصله متفق عليه دون قوله ((ونادى مناد)). 

10 حديث ((إن الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول أيها الشاب التارك شهوته... الحديث)) أخرجه ابن عدي من حديث ابن مسعود بسند ضعيف. 

11 حديث ((يقول الله تعالى لملائكته : يا ملائكتي انظروا إلى عبدي ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي)). 

12 حديث ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.. الحديث))  متفق عليه من حديث صفية دون قوله ((فضيقوا مجاريه بالجوع)). 

13 حديث ((قال لعائشة : داومي قرع باب الجنة... الحديث)) لم أجد له أصلا. 

14 حديث ((لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم... الحديث)) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه.