الفصل الأول

في الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده

 

أما الواجبات الظاهرة فستة

(الأول) : مراقبة أول شهر رمضان وذلك برؤية الهلال فإن غم فاستكمال ثلاثين يوما من شعبان ونعني بالرؤية العلم  " ويحصل ذلك بقول عدل واحد " ولا يثبت هلال شوال إلا بقول عدلين احتياطا للعبادة ومن سمع عدلا ووثق بقوله وغلب على ظنه صدقه لزمه الصوم وإن لم يقض القاضي به فليتبع كل عبد في عبادته موجب ظنه، وإذا رؤي الهلال ببلدة ولم ير بأخرى وكان بينهما أقل من مرحلتين وجب الصوم على الكل، وإن كان أكثر كان لكل بلدة حكمها ولا يتعدى الوجوب.

(الثاني) : النية : ولا بد لكل ليلة من نية مبيتة معينة جازمة فلو نوى أن يصوم شهر رمضان دفعة واحدة لم يكفه، وهو الذي عنينا بقولنا " كل ليلة " ولو نوى بالنهار لم يجزه صوم رمضان ولا صوم الفرض إلا التطوع وهو الذي عنينا بقولنا " مبيتة " ولو نوى الصوم مطلقا أو الفرض مطلقا لم يجزه حتى ينوي فريضة الله عز وجل صوم رمضان ولو نوى ليلة الشك أن يصوم غدا إن كان من رمضان لم يجزه فإنها ليست جازمة إلا أن تستند نيته إلى قول شاهد عدل، واحتمال غلط العدل أو كذبه لايبطل الجزم أو يستند إلى استصحاب حال كالشك في الليلة الأخيرة من رمضان، فذلك لا يمنع جزم النية أو يستند إلى اجتهاد كالمحبوس في المطمورة إذا غلب على ظنه دخول رمضان باجتهاده فشكه لا يمنعه من النية. ومهما كان شاكا ليلة الشك لم ينفعه جزمه النية باللسان فإن النية محلها القلب. ولا يتصور فيه جزم القصد مع الشك كما لو قال في وسط رمضان أصوم غدا إن كان من رمضان فإن ذلك لايضره لأنه ترديد لفظ ومحل النية لا يتصور فيه تردد، بل هو قاطع بأنه من رمضان، ومن نوى ليلا ثم أكل لم تفسد نيته، ولو نوت امرأة في الحيض ثم طهرت قبل الفجر صح صومها.

(الثالث) : الإمساك عن إيصال شيء إلى الجوف عمدا مع ذكر الصوم فيفسد صومه بالأكل والشرب والسعوط والحقنة، ولا يفسد بالفصد والحجامةوالاكتحال، وإدخال الميل في الأذن والإحليل إلا أن يقطر فيه ما يبلغ المثانة وما يصل بغير قصد من غبار الطريق أو ذبابة تسبق إلى جوفه أو ما يسبق إلى جوفه في المضمضة، فلا يفطر إلا إذا بالغ في المضمضة فيفطر لأنه مقصر وهو الذي أردنا بقولنا " عمدا " فأما ذكر الصوم فأردنا به الاحتراز عن الناسي فإنه لايفطر، أما من أكل عامدا في طرفي النهار ثم ظهر له أنه أكل نهارا بالتحقيق فعليه القضاء وإن بقى على حكم ظنه واجتهاده فلا قضاء عليه ولا ينبغي أن يأكل في طرفى النهار إلا بنظر واجتهاد.

(الرابع) : الإمساك عن الجماع وحده مغيب الحشفة، وإن جامع ناسيا لم يفطر، وإن جامع ليلا أو احتلم فأصبح جنبا لم يفطر، وإن طلع الفجر وهو مخالط أهله فنزع في الحال صح صومه، فإن صبر فسد ولزمته الكفارة.

(الخامس) : الإمساك عن الاستمناء ؛ وهو إخراج المني قصدا بجماع أو بغير جماع فإن ذلك يفطر ولا يفطر بقبلة زوجته ولا بمضاجعتها ما لم ينزل، لكن يكره ذلك إلا أن يكون شيخا أو مالكا لإربه، فلا بأس بالتقبيل وتركه أولى. وإذا كان يخاف من التقبيل أن ينزل فقبل وسبق المني أفطر لتقصيره.

(السادس) : الإمساك عن إخراج القيء فالاستقاء يفسد الصوم وإن ذرعه القيء لم يفسد صومه، وإذا ابتلع نخامة من حلقه أو صدره لم يفسد صومه رخصة لعموم البلوى به إلا أن يبتلعه بعد وصوله إلى فيه فإنه يفطر عند ذلك.


وأما لوازم الإفطار فأربعة

القضاء والكفارة والفدية وإمساك بقية النهار تشبيها بالصائمين.

أما القضاء : فوجوبه عام على كل مسلم مكلف ترك الصوم بعذر أو بغير عذر، فالحائض تقضي الصوم وكذا المرتد. وأما الكافر والصبي والمجنون فلا قضاء عليهم ولا يشترط التتابع في قضاء رمضان ولكن يقضي كيف شاء متفرقا ومجموعا.

وأما الكفارة : فلا تجب إلا بالجماع، وأما الاستمناء والأكل والشرب وما عدا الجماع لا يجب به كفارة فالكفارة عتق رقبة فإن أعسر فصوم شهرين متتابعين وإن عجز فإطعام ستين مسكينا مدا مدا.

وأما إمساك بقية النهار : فيجب على من عصى بالفطر أو قصر فيه. ولا يجب على الحائض إذا طهرت إمساك بقية نهارها، ولا على المسافر إذا قدم مفطرا من سفر بلغ مرحلتين. ويجب الإمساك إذا شهد بالهلال عدل واحد يوم الشك، والصوم في السفر أفضل من الفطر إلا إذا لم يطق ولا يفطر يوم يخرج وكان مقيما في أوله ولا يوم يقدم إذا قدم صائما.

وأما الفدية : فتجب على الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما، لكل يوم مد حنطة لمسكين واحد مع القضاء والشيخ الهرم، إذا لم يصم تصدق عن كل يوم مدا.

وأما السنن فست : تأخير السحور، وتعجيل الفطر بالتمر أو الماء قبل الصلاة، وترك السواك بعد الزوال، والجود في شهر رمضان لما سبق من فضائله في الزكاة، ومدارسة القرآن، والاعتكاف في المسجد لا سيما في العشر الأخير فهو عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كان إذا دخل العشر الأواخر طوى الفراش وشد المئزر ودأب وأدأب أهله))[1] أي : أداموا النصب في العبادة إذ فيها ليلة القدر والأغلب أنها في أوتارها وأشبه الأوتار ليلة إحدى وثلاث وخمس وسبع، والتتابع في هذا الاعتكاف أولى فإن نذر اعتكافا متتابعا، أو نواه انقطع تتابعه بالخروج من غير ضرورة، كما لو خرج لعيادة أو شهادة أو جنازة أو زيارة أو تجديد طهارة، وإن خرج لقضاء الحاجة لم ينقطع، وله أن يتوضأ في البيت ولا ينبغي أن يعرج على شغل آخر ((كان صلى الله عليه وسلم لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ولا يسأل عن المريض إلا مارا))[2] ويقطع التتابع بالجماع ولا ينقطع بالتقبيل، ولا بأس في المسجد بالطيب وعقد النكاح وبالأكل والنوم وغسل اليد في الطست فكل ذلك قد يحتاج إليه في التتابع، ولا ينقطع التتابع بخروج بعض بدنه ((كان صلى الله عليه وسلم يدني رأسه فترجله عائشة رضي الله عنها وهي في الحجرة))[3] ومهما خرج المعتكف لقضاء حاجته فإذا عاد ينبغي أن يستأنف النية إلا إذا كان قد نوى أولا عشرة أيام مثلا، والأفضل مع ذلك التجديد.


1 حديث ((كان إذا دخل العشر الأواخر طوى الفراش..الحديث)) متفق عليه من حديث عائشة بلفظ ((أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر)).

2 حديث ((كان لا يخرج إلا لحاجة ولا يسأل عن المريض إلا مارا)) متفق على الشطر الأول من حديث عائشة، والشطر الثاني رواه أبو داود بنحوه بسند لين.

3 حديث ((كان يدني رأسه لعائشة)) متفق عليه من حديثها.