الركن الأول

في نفس التوبة بيان حقيقة التوبة وحده


اعلم أن التوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلتثم من ثلاثة أمور مرتبة: علم، وحال، وفعل.

فالعلم الأول، والحال الثاني، والفعل الثالث.

والأول موجب للثاني، والثاني موجب للثالث إيجابا اقتضاه إطراد سنة الله في الملك والملكوت.

أما العلم؛ فهو معرفة عظم ضرر الذنوب وكونها حجابا بين العبد وبين كل محبوب، فإذا عرف ذلك معرفة محققة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه المعرفة تألم للقلب بسبب فوات المحبوب، فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم، فإن كان فواته بفعله تأسف على الفعل المفوت، فيسمى تألمه بسبب فعله المفوت لمحبوبه ندما، فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى وانبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلق بالحال والماضي وبالاستقبال، أما تعلقه (بالحال) فبالترك للذنب الذي كان ملابسا، وأما (بالاستقبال) فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمحبوب إلى آخر العمر، وأما (بالماضي) فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر، فالعلم هو الأول، وهو مطلع هذه الخيرات، وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين، فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة، واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق، وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب فيثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب نار الندم فيتألم بها القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوبا عن محبوبه، كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيسطع النور عليه بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب فرأى محبوبه، وقد أشرف على الهلاك فتشعل نيران الحب في قلبه وتنبعث تلك النيران بإرادته للانتهاض للتدارك، فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مرتبة في الحصول فيطلق اسم التوبة على مجموعها، وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم كالسابق، والمقدمة والترك كالثمرة، والتابع المتأخر، وبهذا الاعتبار قال صلى الله عليه وسلم : ((الندم توبة))[1] إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه وأثمره، وعن عزم يتبعه ويتلوه، فيكون الندم محفوفا بطرفيه فيه أعني ثمرته ومثمره، وبهذا الاعتبار قيل في حد التوبة: إنه ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ، فإن هذا يعرض لمجرد الألم، ولذلك قيل: هو نار في القلب تلتهب، وصدع في الكبد لا ينشعب، وباعتبار معنى الترك قيل في حد التوبة: إنه خلع لباس الجفاء، ونشر بساط الوفاء. *** وقال سهل بن عبد الله التستري: التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة، ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والصمت وأكل الحلال. *** وكأنه أشار إلى المعنى الثالث من التوبة. *** والأقاويل في حدود التوبة لا تنحصر، وإذا فهمت هذه المعاني الثلاثة وتلازمها وترتيبها عرفت أن جميع ما قيل في حدودها قاصر عن الإحاطة بجميع معانيها، وطلب العلم بحقائق الأمور أهم من طلب الألفاظ المجردة. ***


بيان وجوب التوبة وفضلها

 اعلم أن وجوب التوبة ظاهر بالأخبار[2] والآيات، وهو واضح بنور البصيرة عند من انفتحت بصيرته وشرح الله بنور الإيمان صدره حتى اقتدرت على أن يسعى بنوره الذي بين يديه في ظلمات الجهل مستغنيا عن قائد يقوده في كل خطوة.

فالسالك إما أعمى لا يستغني عن القائد في خطوه، وإما بصير يهدي إلى أول الطريق ثم يهتدي بنفسه، وكذلك الناس في طريق الدين ينقسمون هذا الانقسام، فمن قاصر لا يقدر على مجاوزة التقليد في خطوه فيفتقر إلى أن يسمع في كل قدم نصا من كتاب الله أو سنة رسوله، وربما يعوزه ذلك فيتحير، فسير هذا - وإن طال عمره وعظم جده - مختصر وخطاه قاصرة.

ومن سعيد شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، فيتنبه بأدنى إشارة لسلوك طريق معوصة وقطع عقبات متعبة ويشرق في قلبه نور القرآن ونور الإيمان، وهو لشدة نور باطنه يجتزيء بأدنى بيان، فكأنه يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار، فإذا مسته نار فهو نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء، وهذا لا يحتاج إلى نص منقول في كل واقعة، فمن هذا حاله إذا أراد أن يعرف وجوب التوبة فينظر أولا بنور البصيرة إلى التوبة ما هي، ثم إلى الوجوب ما معناه، ثم يجمع بين معنى الوجوب والتوبة فلا يشك في ثبوته لها، وذلك بأن يعلم بأن معنى الواجب ما هو واجب في الوصول إلى سعادة الأبد، والنجاة من هلاك الأبد فإنه لولا تعلق السعادة والشقاوة بفعل الشيء وتركه لم يكن لوصفه بكونه واجبا معنى.

وقول القائل: صار واجبا بالإيجاب، حديث محض، فإن مالا غرض لنا آجلا وعاجلا في فعله وتركه فلا معنى لاشتغالنا به، أوجبه علينا غيرنا أو لم يوجبه، فإذا عرف معنى الوجوب، وأنه الوسيلة إلى سعادة الأبد، وعلم أن لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله تعالى، وأن كل محجوب عنه يشقى لا محاله محول بينه وبين ما يشتهي، محترق بنار الفراق ونار الجحيم، وعلم أنه لا مبعد عن لقاء الله إلا اتباع الشهوات، والأنس بهذا العالم الفاني، والإكباب على حب ما لا بد من فراقه قطعا، وعلم أنه لا مقرب من لقاء الله إلا قطع علاقة القلب عن زخرف هذا العالم، والإقبال بالكلية على الله طلبا للأنس به بدوام ذكره، وللمحبة له بمعرفة جلاله وجماله على قدر طاقته، وعلم أن الذنوب التي هي إعراض عن الله واتباع لمحاب الشياطين أعداء الله المبعدين عن حضرته سبب كونه محجوبا مبعدا عن الله تعالى فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب، وإنما يتم الانصراف بالعلم والندم والعزم، فإنه ما لم يعلم أن الذنوب أسباب البعد عن المحبوب لم يندم ولم يتوجع بسبب سلوكه في طريق البعد، وما لم يتوجع فلا يرجع ومعنى الرجوع الترك والعزم فلا يشك في أن المعاني الثلاثة ضرورية في الوصول إلى المحبوب وهكذا يكون الإيمان الحاصل عن نور البصيرة، وأما من لم يترشح لمثل هذا المقام المرتفع ذروته عن حدود أكثر الخلق، ففي التقليد والاتباع له مجال رحب يتوصل به إلى النجاة من الهلاك، فليلاحظ فيه قول الله وقول رسوله، وقول السلف الصالحين فقد قال الله تعالى : ﴿ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ﴾ (النور : 31)  وهذا أمر على العموم، وقال الله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ﴾ (التحريم : 8)  الآية ومعنى النصوح : الخالص لله تعالى خاليا عن الشوائب مأخوذ من النصح ويدل على فضل التوبة قوله تعالى : ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ (البقرة : 222)  وقال صلى الله عليه وسلم : ((التائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له))[3]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الله أفرح بتوبة العبد المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومه فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت.

فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله تعالى أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته))[4]وفي بعض الألفاظ ((قال من شدة فرحه إذ أراد شكر الله: أنا ربك وأنت عبدي)) ويروى عن الحسن قال: لما تاب الله عز وجل على آدم عليه السلام هنأته الملائكة وهبط عليه جبريل وميكائيل عليهما السلام فقالا: يا آدم قرت عينك بتوبة الله عليك، فقال آدم عليه السلام: يا جبريل فإن كان بعد هذه التوبة سؤال فأين مقامي ؟ فأوحى الله إليه: يا آدم ورثت ذويك التعب والنصب وورثتهم التوبة، فمن دعاني منهم لبيته كما لبيتك ومن سألني المغفرة لم أبخل عليه لأني قريب مجيب، يا آدم وأحشر التائبين من القبور مستبشرين ضاحكين ودعاؤهم مستجاب، والأخبار والآثار في ذلك لا تحصى، والإجماع منعقد من الأمة على وجوبها، إذ معناه العلم بأن الذنوب والمعاصي مهلكات ومبعدات من الله تعالى، وهذا داخل في وجوب الإيمان ولكن قد تدهش الغفلة عنه، فمعنى هذا العلم إزالة هذه الغفلة، ولا خلاف في وجوبها، ومن معانيها: ترك المعاصي في الحال والعزم على تركها في الاستقبال وتدارك ما سبق من التقصير في سابق الاحوال، وذلك لا يشك في وجوبه.

وأما التندم على ما سبق والتحزن عليه فواجب، وهو روح التوبة، وبه تمام التلافي، فكيف لا يكون واجبا ؟ بل هو نوع ألم يحصل لا محالة عقيب حقيقة المعرفة بما فات من العمر وضاع في سخط الله.

 فإن قلت : تألم القلب أمر ضروري لا يدخل تحت الاختيار، فكيف يوصف بالوجوب ؟ فاعلم أن سببه تحقيق العلم بفوات المحبوب وله سبيل إلى تحصيل سببه، وبمثل هذا المعنى دخل العلم تحت الوجوب لا بمعنى أن العلم يخلقه العبد ويحدثه في نفسه فإن ذلك محال، بل العلم والندم والفعل والإرادة والقدرة والقادر الكل من خلق الله وفعله﴿والله خلقكم وما تعملون ﴾ (الصافات : 96) هذا هو الحق عند ذوي الأبصار وما سوى هذا ضلال.

 فإن قلت : أفليس للعبد اختيار في الفعل والترك ؟ قلنا: نعم، وذلك لا يناقض قولنا: إن الكل من خلق الله تعالى، بل الاختيار أيضا من خلق الله، والعبد مضطر في الاختيار الذي له، فإن الله إذا خلق اليد الصحيحة وخلق الطعام اللذيذ، وخلق الشهوة للطعام في المعدة، وخلق العلم في القلب بأن هذا الطعام يسكن الشهوة، وخلق الخواطر المتعارضة في أن هذا الطعام هل فيه مضرة مع أنه يسكن الشهوة، وهل دون تناوله مانع يتعذر معه تناوله أم لا، ثم خلق العلم بأنه لا مانع، ثم عند اجتماع هذه الأسباب تنجزم الارادة الباعثة على التناول، فانجزام الإرادة بعد تردد الخواطر المتعارضة وبعد وقوع الشهوة للطعام يسمى اختيارا، ولا بد من حصوله عند تمام أسبابه، فإذا حصل انجزام الإرادة بخلق الله تعالى إياها تحركت اليد الصحيحة إلى جهة الطعام لا محالة، إذ بعد تمام الإرادة والقدرة يكون حصول الفعل ضروريا فتحصل الحركة، فتكون الحركة بخلق الله بعد حصول القدرة وانجزام الإرادة، وهما أيضا من خلق الله، وانجزام الإرادة يحصل بعد صدق الشهوة والعلم بعدم الموانع، وهما أيضا من خلق الله تعالى، ولكن بعض هذه المخلوقات يترتب على البعض ترتيبا جرت به سنة الله تعالى في خلقه ﴿ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (الأحزاب : 62، الفتح : 23) فلا يخلق الله حركة اليد بكتابة منظومة ما لم يخلق فيها صفة تسمى قدرة، وما لم يخلق فيها حياة، وما لم يخلق إرادة مجزومة، ولا يخلق الإرادة المجزومة ما لم يخلق شهوة وميلا في النفس، ولا ينبعث هذا الميل انبعاثا تاما ما لم يخلق علما بأنه موافق للنفس إما في الحال أو في المآل، ولا يخلق العلم أيضا إلا بأسباب أخر ترجع إلى حركة وإرادة وعلم ؛ فالعلم والميل الطبيعي أبدا يستتبع الإرادة الجازمة، والقدرة والإرادة أبدا تستردف الحركة، وهكذا الترتيب في كل فعل، والكل من اختراع الله تعالى، ولكن بعض مخلوقاته شرط لبعض، فلذلك يجب تقدم البعض، وتأخر البعض كما لا تخلق الإرادة إلا بعد العلم، ولا يخلق العلم إلا بعد الحياة، ولا تخلق الحياة إلا بعد الجسم، فيكون خلق الجسم شرطا لحدوث الحياة، لا أن الحياة تتولد من الجسم، ويكون خلق الحياة شرطا لخلق العلم، لا أن العلم يتولد من الحياة، ولكن لا يستعد المحل لقبول العلم إلا إذا كان حيا، ويكون خلق العلم شرطا لجزم الإرادة، لا أن العلم يولد الإرادة، ولكن لا يقبل الإرادة إلا جسم حى عالم، ولا يدخل في الوجود إلا ممكن، والإمكان ترتيب لا يقبل التغيير لأن تغييره محال، فمهما وجد شرط الوصف استعد المحل به لقبول الوصف فحصل ذلك الوصف من الجود الإلهي والقدرة الأزلية عند حصول الاستعداد، ولما كان للاستعداد بسبب الشروط ترتيب كان لحصول الحوادث بفعل الله تعالى ترتيب، والعبد مجرى هذه الحوادث المرتبة، وهي مرتبة في قضاء الله تعالى الذي هو واحد كلمح البصر ترتيبا كليا لا يتغير، وظهورها بالتفصيل مقدر بقدر لا يتعداها وعنه العبارة بقوله تعالى: ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ (القمر : 49) وعن القضاء الكلي الأزلي العبارة بقوله تعالى: ﴿ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ﴾ (القمر : 50) وأما العباد فإنهم مسخرون تحت مجاري القضاء والقدر، ومن جملة القدر خلق حركة في يد الكاتب بعد خلق صفة مخصوصة في يده تسمى القدرة، وبعد خلق ميل قوي جازم في نفسه يسمى القصد، وبعد علم بما إليه ميله يسمى الإدراك والمعرفة، فإذا ظهرت من باطن الملكوت هذه الأمور الأربعة على جسم عبد مسخر تحت قهر التقدير سبق أهل عالم الملك والشهادة المحجوبون عن عالم الغيب والملكوت، وقالوا: يا أيها الرجل قد تحركت ورميت وكتبت، ونودي من وراء حجاب الغيب وسرادقات الملكوت ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ (الأنفال : 17) وما قتلت إذ قتلت ولكن ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ﴾(التوبة : 14)  وعند هذا تتحير عقول القاعدين في بحبوحة عالم الشهادة فمن قائل إنه جبر محض، ومن قائل إنه اختراع صرف، ومن متوسط مائل إلى أنه كسب، ولو فتح لهم أبواب السماء فنظروا إلى عالم الغيب والملكوت لظهر لهم أن كل واحد صادق من وجه، وأن القصور شامل لجميعهم، فلم يدرك واحد منهم كنه هذا الأمر ولم يحط علمه بجوانبه، وتمام علمه ينال بإشراق النور من كوة نافذة إلى عالم الغيب، وأنه تعالى عالم الغيب والشهادة لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول، وقد يطلع على الشهادة من لم يدخل في حيز الارتضاء، ومن حرك سلسلة الأسباب والمسببات وعلم كيفية تسلسلها ووجه ارتباط مناط سلسلتها بمسبب الأسباب انكشف له سر القدر وعلم علما يقينا أن لا خالق إلا الله ولا مبدع سواه.

 فإن قلت : قد قضيت على كل واحد من القائلين بالجبر والاختراع، والكسب أنه صادق من وجه وهو مع صدقه قاصر وهذا تناقض، فكيف يمكن فهم ذلك ؟ وهل يمكن إيصال ذلك إلى الأفهام بمثال ؟ فاعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه حمل إلى البلدة حيوان عجيب يسمى الفيل، وما كانوا قط شاهدوا صورته ولا سمعوا اسمه، فقالوا : لا بد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه، فطلبوه، فلما وصلوا إليه لمسوه فوقع يد بعض العميان على رجليه، ووقع يد بعضهم على نابه، ووقع يد بعضهم على أذنه، فقالوا : قد عرفنا انصرفوا سألهم بقية العميان فاختلفت أجوبتهم، فقال الذي لمس الرجل : إن الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر إلا أنه ألين منها، وقال الذي لمس الناب: ليس كما يقول بل هو صلب لا لين فيه، وأملس لا خشونة فيه، وليس في غلظ الأسطوانة أصلا بل هو مثل عمود، وقال الذي لمس الأذن : لعمري هو لين، وفيه خشونة، فصدق أحدهما فيه ولكن قال : ما هو مثل عمود ولا هو مثل اسطوانة وإنما هو مثل جلد عريض غليظ، فكل واحد من هؤلاء صدق من وجه إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل، ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل، ولكنهم بحملتهم قصروا عن الإحاطة بكنه صورة الفيل، فاستبصر بهذا المثال واعتبر به فإنه مثال أكثر ما اختلف الناس فيه، وإن كان هذا كلاما يناطح علوم المكاشفة ويحرك أمواجها وليس ذلك من غرضنا، فلنرجع إلى ما كنا بصدده وهو بيان أن التوبة واجبة بجميع أجزائها الثلاثة : العلم والندم والترك، وأن الندم داخل في الوجوب لكونه واقعا في جملة أفعال الله المحصورة بين علم العبد وإرادته وقدرته المتخللة بينها، وما هذا وصفه فاسم الوجوب يشمله.


بيان أن وجوب التوبة على الفور

أما وجوبها على الفور فلا يستراب فيه، إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الإيمان وهو واجب على الفور المتقصي عن وجوبه هو الذي عرفه معرفة زجره ذلك عن الفعل المكروه، فإن هذه المعرفة ليست من علوم المكاشفات التي لا تتعلق بعمل، بل هي من علوم المعاملة وكل علم يراد ليكون باعثا على عمل فلا يقع التقصي عن عهدته ما لم يصر باعثا عليه ؛ فالعلم بضرر الذنوب إنما أريد ليكون باعثا لتركها، فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))[5] وما أراد به نفي الإيمان الذي يرجع إلى علوم المكاشفة كالعلم بالله ووحدانيته وصفاته وكتبه ورسله، فإن ذلك لا ينفيه الزنا والمعاصي، وإنما أراد به نفي الإيمان لكون الزنا مبعدا عن الله تعالى موجبا للمقت، كما إذا قال الطبيب : هذا سم فلا تتناوله، فإذا تناوله يقال : تناول وهو غير مؤمن لا بمعنى أنه غير مؤمن بوجود الطبيب وكونه طبيبا وغير مصدق به، بل المراد أنه غير مصدق بقوله : إنه سم مهلك، فإن العالم بالسم لا يتناوله أصلا، فالعاصي بالضرورة ناقص الإيمان وليس الإيمان بابا واحدا، بل هو نيف وسبعون بابا، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ومثاله قول القائل : ليس الإنسان موجودا، واحدا بل هو نيف وسبعون موجودا أعلاها القلب والروح، وأدناها إماطة الأذى عن البشرة بأن يكون مقصوص الشارب مقلوم الأضافر نقي البشرة عن الخبث حتى يتميز عن البهائم المرسلة الملوثة بأرواثها المستكرهة الصور بطول مخالبها وأظلافها، وهذا مثال مطابق، فالإيمان كالإنسان، وفقد شهادة التوحيد يوجد البطلان بالكلية كفقد الروح، والذي ليس له إلا شهادة التوحيد والرسالة هو كإنسان مقطوع الأطراف مفقوع العينين فاقد لجميع أعضائه الباطنة والظاهرة لا أصل الروح، وكما أن من هذا حاله قريب من أن يموت فتزايله الروح الضعيفة المنفردة التى تخلف عنها الأعضاء التى تمدها وتقويها، فكذلك من ليس له إلا أصل الإيمان وهو مقصر في الأعمال قريب من أن تقتلع شجرة إيمانه إذا صدمتها الرياح العاصفة المحركة للإيمان في مقدمة قدوم ملك الموت ووروده، فكل إيمان لم يثبت في اليقين أصله ولم تنتشر في الأعمال فروعه، لم يثبت على عواصف الأهوال عند ظهور ناصية ملك الموت وخيف عليه سوء الخاتمة لا ما يسقى بالطاعات على توالي الأيام والساعات حتى رسخ وثبت، وقول العاصي للمطيع : إني مؤمن كما أنك مؤمن كقول شجرة القرع لشجرة الصنوبر : أنا شجرة وأنت شجرة، وما أحسن جواب شجرة الصنوبر إذ قالت : ستعرفين اغترارك بشمول الاسم إذا عصفت رياح الخريف، فعند ذلك تنقطع أصولك وتتناثر أوراقك وينكشف غرورك بالمشاركة في اسم الشجرة مع الغفلة عن أسباب ثبوت الأشجار : سوف ترى إذا انجلى الغبار... أفرس تحتــك أم حمــار

 وهذا أمر يظهر عند الخاتمة، وإنما انقطع نياط[6] العارفين خوفا من دواعي الموت ومقدماته الهائلة التي لا يثبت عليها إلا الأقلون، فالعاصي إذا كان لا يخاف الخلود في النار بسبب معصيته كالصحيح المنهمك في الشهوات المضرة، إذا كان لا يخاف الموت بسبب صحته وأن الموت غالبا لا يقع فجأة، فيقال له : الصحيح يخاف المرض ثم إذا مرض خاف الموت، وكذلك العاصي يخاف سوء الخاتمة، ثم إذا ختم له بالسوء - والعياذ بالله - وجب الخلود في النار، فالعاصي للإيمان كالمأكولات المضرة للأبدان، فلا تزال تجتمع في الباطن حتى تغير مزاج الأخلاط وهو لا يشعر بها، إلى أن يفسد المزاج فيمرض دفعة ثم يموت دفعة، فكذلك المعاصي فإذا كان الخائف من الهلاك في هذه الدنيا المنقضية يجب عليه ترك السموم وما يضره من المأكولات في كل حال وعلى الفور، فالخائف من هلاك الأبد أولى بأن يجب عليه ذلك وإذا كان متناول السم إذا ندم يجب عليه أن يتقيأ ويرجع عن تناوله بإبطاله وإخراجه عن المعدة على سبيل الفور والمبادرة تلافيا لبدنه المشرف على هلاك لا يفوت عليه إلا هذه الدنيا الفانية، فمتناول سموم الدين وهي الذنوب أولى بأن يجب عليه الرجوع عنها بالتدارك الممكن ما دام يبقى للتدارك مهلة وهو العمر، فإن المخوف من هذا السم فوات الآخرة الباقية التي فيها النعيم المقيم والملك العظيم، وفي فواتها نار الجحيم والعذاب المقيم الذي تتصرم أضعاف أعمار الدنيا دون عشر عشير مدته، إذ ليس لمدته آخر البتة، فالبدار البدار إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان عملا يجاوز الأمر فيه الأطباء واختيارهم، ولا ينفع بعده الاحتماء فلا ينجح بعد ذلك نصح الناصحين، ووعظ الواعظين وتحق الكلمة عليه بأنه من الهالكين، ويدخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون * وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون * وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ (يس : 8 , 9، 10) ولا يغرنك لفظ الإيمان، فتقول : المراد بالآية الكافر، إذ بين لك أن الإيمان بضع وسبعون بابا، وأن الزاني لا يزني حين يزني وهو مؤمن فالمحجوب عن الإيمان الذي هو شعب وفروع سيحجب في الخاتمة عن الإيمان الذي هو أصل كما أن الشخص الفاقد لجميع الأطراف التي هي حروف وفروع سيساق إلى الموت المعدم للروح التي هي أصل، فلا بقاء للأصل دون الفرع، ولا وجود للفرع دون الأصل، ولا فرق بين الأصل والفرع إلا في شيء واحد : وهو أن وجود الفرع وبقاءه جميعا يستدعي وجود الأصل، وأما وجود الأصل، فلا يستدعي وجود الفرع، فبقاء الأصل بالفرع، ووجود الفرع بالأصل، فعلوم المكاشفة وعلوم المعاملة متلازمة كتلازم الفرع والأصل، فلا يستغني أحدهما عن الآخر وإن كان أحدهما في رتبة الأصل والآخر في رتبة التابع وعلوم المعاملة إذا لم تكن باعثه على العمل فعدمها خير من وجودها، فإن هي لم تعمل عملها الذي تراد له قامت مؤيدة للحجة على صاحبها، ولذلك يزاد في عذاب العالم الفاجر، على عذاب الجاهل الفاجر كما أوردنا من الأخبار في كتاب العلم.


بيان أن وجوب التوبة عام في الأشخاص والأحوال فلا ينفك عنه أحد البتة

اعلم أن ظاهر الكتاب قد دل على هذا إذ قال تعالى : ﴿ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ﴾ (النور : 31) فعمم الخطاب، ونور البصيرة أيضا يرشد إليه، إذ معنى التوبة الرجوع عن الطريق المبعد عن الله المقرب إلى الشيطان، ولا يتصور ذلك إلا من عاقل، ولا تكمل غريزة العقل إلا بعد كمال غريزة الشهوة والغضب وسائر الصفات المذمومة التي هي وسائل الشيطان إلى إغواء الإنسان.

إذ كمال العقل إنما يكون عند مقاربة الأربعين، وأصله إنما يتم عند مراهقة البلوغ، ومباديه تظهر بعد سبع سنين، والشهوات جنود الشيطان، والعقول جنود الملائكة، فإذا اجتمعا قام القتال بينهما بالضرورة، إذ لا يثبت أحدهما للآخر لأنهما ضدان، فالتطارد بينهما كالتطارد بين الليل والنهار والنور والظلمة، ومهما غلب أحدهما أزعج الآخر بالضرورة، وإذا كانت الشهوات تكمل في الصبا والشباب قبل كمال العقل فقد سبق جند الشيطان واستولى على المكان ووقع للقلب به أنس وإلف لا محالة مقتضيات الشهوات بالعادة وغلب ذلك عليه ويعسر عليه النزوع عنه، ثم يلوح العقل الذي هو حزب الله وجنده ومنقذ أوليائه، من أيدي أعدائه شيئا فشيئا على التدريج، فإن لم يقو ولم يكمل سلمت مملكة القلب للشيطان، وأنجز اللعين موعده حيث قال : ﴿لأحتنكن ذريته إلا قليلا ﴾ (الإسراء : 62) وإن كمل العقل وقوي كان أول شغله قمع حنود الشيطان بكسر الشهوات ومفارقة العادات، ورد الطبع على سبيل القهر إلى العبادات، ولا معنى للتوبة إلا هذا، وهو الرجوع عن طريق دليله الشهوة وخفيره الشيطان، إلى طريق الله تعالى، وليس في الوجود آدمي إلا وشهوته سابقة على عقله وغريزته التي هي عدة الشيطان متقدمة على غريزته التي هي عدة الملائكة، فكان الرجوع عما سبق إليه على مساعدة الشهوات ضروريا في حق كل إنسان نبيا كان أو غبيا، فلا تظنن أن هذه الضرورة اختصت بآدم عليه السلام، وقد قيل : فلا تحسبن هنداً لها الغدر وحدها... سجيـة نفس كـل غانية هنـــد

 بل هو حكم أزلي مكتوب على جنس الإنس لا يمكن فرض خلافه ما لم تتبدل السنة الإلهية التي لا مطمع في تبديلها، فإذن كل من بلغ كافرا جاهلا فعليه التوبة من جهله وكفره، فإذا بلغ مسلما تبعا لأبويه غافلا عن حقيقة إسلامه فعليه التوبة من غفلته بتفهم معنى الإسلام، فإنه لا يغني عنه إسلام أبويه شيئا ما لم يسلم بنفسه، فإن فهم ذلك فعليه الرجوع عن عادته وإلفه للاسترسال، وراء الشهوات من غير صارف بالرجوع إلى قالب حدود الله في المنع والإطلاق والانفكاك والاسترسال وهو من أشق أبواب التوبة، وفيه هلك الأكثرون إذ عجزوا عنه، وكل هذا رجوع وتوبة، فدل على أن التوبة فرض عين في حق كل شخص يتصور أن يستغني عنها أحد من البشر كما لم يستغن آدم، فخلقه الولد لا تتسع لما لم يتسع له خلقة الوالد أصلا.

وأما بيان وجوبها على الدوام وفي كل حال فهو أن كل بشر فلا يخلو عن معصية بجوارحه، إذ لم يخل عنه الأنبياء كما ورد في القرآن والأخبار من خطايا الأنبياء وتوبتهم وبكائهم على خطاياهم، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب، فإن خلا في بعض الأحوال عن الهم فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله، فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص وله أسباب، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع عن طريق إلى ضده والمراد بالتوبة الرجوع، ولا يتصور الخلو في حق الآدمي عن هذا النقص، وإنما يتفاوتون في المقادير، فأما الأصل فلا بد منه، ولهذا قال عليه السلام : ((إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة))[7] الحديث،  ولذلك أكرمه الله تعالى بأن قال : ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ (الفتح : 2) وإذا كان هذا حاله فكيف حال غيره.

 فإن قلت : لا يخفى أن ما يطرأ على القلب من الهموم والخواطر نقص، وأن الكمال في الخلو عنه، وأن القصور عن معرفة كنه جلال الله نقص، وأنه كلما ازدادت المعرفة زاد الكمال، وأن الانتقال إلى الكمال من أسباب النقصان رجوع، والرجوع توبة، ولكن هذه فضائل لا فرائض، وقد أطلقت القول بوجوب التوبة في كل حال، والتوبة عن هذه الأمور ليست بواجبة، إذ إدراك الكمال غير واجب في الشرع : فما المراد بقولك : التوبة واجبة في كل حال ؟ فاعلم أنه قد سبق أن الإنسان لا يخلو في مبدإ خلقته من اتباع الشهوات أصلا، وليس معنى التوبة تركها فقط، بل تمام التوبة بتدارك ما مضى، وكل شهوة اتبعها الإنسان ارتفع منها ظلمة إلى قلبه كما يرتفع عن نفس الإنسان ظلمه إلى وجه المرآة الصقيلة، فإن تراكمت ظلمة الشهوات صار رينا كما يصير بخار النفس في وجهه المرآة عند تراكمه خبثا، كما قال تعالى : ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ (المطففين : 14)  فإذا تراكم الرين صار طبعا فيطبع على قلبه، كالخبث على وجه المرأة إذا تراكم وطال زمانه غاص في جرم الحديد وأفسده وصار لا يقبل الصقل بعده وصار كالمطبوع من الخبث، ولا يكفي في تدارك اتباع الشهوات، تركها في المستقبل، بل لا بد من محو تلك الأريان، التي انطبعت في القلب، كما لا يكفي في ظهور الصور في المرآة قطع الانفاس والبخارت المسودة لوجهها في المستقبل ما لم يشتغل بمحو ما انطبع فيها من الأريان، وكما يرتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي والشهوات فيرتفع إليه نور من الطاعات وترك الشهوات، فتنمحي ظلمة المعصية بنور الطاعة، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام: ((أتبع السيئة الحسنة تمحها))[8]فإذن لا يستغني العبد في حال من أحواله عن محو آثار السيئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضاد آثارها آثار تلك السيئات، هذا في قلب حصل أولا صفاؤه وجلاؤه ثم أظلم بأسباب عارضة، فأما التصقيل الأول ففيه يطول الصقل، إذ ليس شغل الصقل في إزالة الصدإ عن المرآة كشغله في عمل أصل المرآة فهذه أشغال طويلة لا تنقطع أصلا، وكل ذلك يرجع إلى التوبة، فأما قولك : إن هذا لا يسمى واجبا بل هو فضل وطلب كمال، فاعلم أن الواجب له معنيان : أحدهما ما يدخل في فتوى الشرع ويشترك فيه كافة الخلق وهو القدر الذي لو اشتغل به كافة الخلق لم يخرب العالم، فلو كلف الناس كلهم أن يتقوا الله حق تقاته لتركوا المعايش، ورفضوا الدنيا بالكلية، ثم يؤدي ذلك إلى بطلان التقوى بالكلية، فإنه مهما فسدت المعايش لم يتفرغ أحد للتقوى، بل شغل الحياكة والحراثة والخبز يستغرق جميع العمر من كل واحد فيما يحتاج إليه، فجميع هذه الدرجات ليست بواجبة بهذا الاعتبار، والواجب الثاني هو الذي لا بد منه للوصول به إلى القرب المطلوب من رب العالمين والمقام المحمود بين الصديقين، والتوبة عن جميع ما ذكرناه واجبه في الوصول إليه كما يقال : الطهارة واجبة في الصلاة للتطوع أي لمن يريدها فإنه لا يتوصل إليه إلا بها فأما من رضي بالنقصان والحرمان عن فضل صلاة التطوع فالطهارة ليست واجبه عليه لأجلها، كما يقال : العين والأذن واليد والرجل شرط في وجود الإنسان، يعني أنه شرط لمن يريد أن يكون إنسانا كاملا ينتفع بإنسانيته ويتوصل بها إلى درجات العلا في الدنيا، فأما من قنع بأصل الحياة ورضي أن يكون كلحم على وضم [9] وكخرقة مطروحة فليس يشترط لمثل هذه الحياة عين ويد ورجل، فأصل الواجبات الداخلة في فتوى العامة لا يوصل إلا إلى أصل النجاة، وأصل النجاة كأصل الحياة، وما وراء أصل النجاة من السعادات التي بها تنتهي الحياة يجري مجرى الاعضاء والآلات التي بها تتهيأ الحياة وفيه سعى الأنبياء والأولياء والعلماء والأمثل فالأمثل، وعليه كان حرصهم، وحواليه كان تطوافهم، ولأجله كان رفضهم لملاذ الدنيا بالكلية، حتى انتهى عيسى عليه السلام إلى أن توسد حجرا في منامه، فجاء إليه الشيطان وقال : أما كنت تركت الدنيا للآخرة ؟ فقال : نعم، وما الذي حدث ؟ فقال : توسدك لهذا الحجر تنعم في الدنيا فلم لا تضع رأسك على الأرض ؟ فرمى عيسى عليه السلام بالحجر ووضع رأسه على الأرض، وكان رميه للحجر توبة عن ذلك التنعم، أفترى أن عيسى عليه السلام لم يعلم أن وضع الرأس على الأرض لا يسمى واجبا في فتاوى العامة ؟ أفترى أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم لما شغله الثوب الذي كان عليه علم فى صلاته حتى نزعه [10] وشغله شراك نعله الذي جدده حتى أعاد الشراك الخلق [11] لم يعلم أن ذلك ليس واجبا في شرعة الذى شرعه لكافة عباده، فإذا علم ذلك فلم تاب عنه بتركه ؟ وهل كان ذلك إلا لأنه رآه مؤثرا في قلبه أثرا يمنعه عن بلوغ المقام المحمود الذي قد وعد به ؟ أفترى أن الصديق رضى الله عنه بعد أن شرب اللبن وعلم أنه على غير وجه أدخل أصبعه في حلقه ليخرجه حتى كاد يخرج معه روحه ما علم من الفقه هذا القدر ؟ وهو أن ما أكله عن جهل فهو غير آثم به، ولا يجب في فتوى الفقه إخراجه ؟ فلم تاب عن شرابه بالتدارك على حسب إمكانه بتخليه المعدة عنه ؟ وهل كان ذلك إلا لسر وقر في صدره عرفه ذلك السر أن فتوى العامة حديث آخر، وأن خطر طريق الآخرة لا يعرفه إلا الصديقون، فتأمل أحوال هؤلاء الذين هم أعرف خلق الله بالله وبطريق الله وبمكر الله وبمكامن الغرور بالله، وإياك مرة واحدة أن تغرك الحياة الدنيا، وإياك ثم إياك ألف ألف مرة، أن يغرك بالله الغرور، فهذه أسرار من استنشق مبادىء روائحها علم أن لزوم التوبة النصوح ملازم للعبد السالك في طريق الله تعالى في كل نفس من أنفاسه ولو عمّر عمر نوح، وأن ذلك واجب على الفور من غير مهلة، ولقد صدق أبو سليمان الدارانى حيث قال : لو لم يبك العاقل فيما بقى من عمره إلا على تفويت ما مضى منه فى غير الطاعة لكان خليقا أن يحزنه ذلك إلى الممات، فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله ؟ وإنما قال هذا لأن العاقل إذا ملك جوهرة نفيسة وضاعت منه بغير فائدة بكى عليها لا محالة، وإن ضاعت منه وصار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه منها أشد وكل ساعة من العمر بل كل نفس جوهرة نفيسة لا خلف لها ولا بدل منها، فإنها صالحة لأن توصلك إلى سعادة الأبد، وتنقذك من شقاوة الأبد وأى جواهر أنفس من هذا ؟ فإذا ضيعتها في الغفلة فقد خسرت خسرانا مبينا، وإن صرفتها إلى معصية فقد هلكت هلاكا فاحشا. *** فإن كنت لا تبكى على هذه المعصية فذلك لجهلك، ومصيبتك بجهلك أعظم من كل مصيبة، لكن الجهل مصيبة لا يعرف المصاب بها أنه صاحب مصيبة، فإن نوم الغفلة يحول بينه وبين معرفته، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. *** فعند ذلك ينكشف لكل مفلس إفلاسه ولكل مصاب مصيبته، وقد رفع الناس عن التدارك.

قال بعض العارفين : إن ملك الموت عليه السلام إذا ظهر للعبد أعلمه أنه بقى من عمرك ساعة، وإنك لا تستأخر عنها طرفة عين، فيبدو للعبد من الأسف والحسرة ما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لخرج منها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها ويتدارك تفريطه فلا يجد إليه سبيلا، وهو أول ما يظهر من معانى قوله تعالى : ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ (سبأ : 54)  وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ من قبل أن يأتى أحدكم الموت فيقول رب لو لا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ﴾ (المنافقون : 10، 11) فقيل : الأجل القريب الذي يطلبه معناه : أنه يقول عند كشف الغطاء للعبد : يا ملك الموت أخرنى يوما أعتذر فيه إلى ربى وأتوب وأتزود صالحا لنفسى، فيقول : فنيت الأيام فلا يوم فيقول فأخرنى ساعة، فيقول فنيت الساعات فلا ساعة فيغلق عليه باب التوبة فيتغرغر بروحه وتتردد أنفاسه في شراسفه، ويتجرع غصة اليأس عن التدارك وحسرة الندامة على تضييع العمر، فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأحوال، فإذا زهقت نفسه فإن كان سبقت له من الله الحسنى خرجت روحه على التوحيد فذلك حسن الخاتمة، وإن سبق له القضاء بالشقوة - والعياذ بالله - خرجت روحه على الشك والاضطراب وذلك سوء الخاتمة ولمثل هذا يقال : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ (النساء : 18) وقوله : ﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ﴾ (النساء : 17) ومعناه عن قرب عهد بالخطيئة بأن يتندم عليها ويمحو أثرها بحسنة يردفها بها قبل أن يتراكم الرين على القلب فلا يقبل المحو، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ((أتبع السيئة الحسنة تمحها)) ولذلك قال لقمان لابنه : يا بنى لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتى بغتة، ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين (أحدهما) أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصى حتى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو، (الثاني) أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو، ولذلك ورد في الخبر ((أن أكثر صياح أهل النار من التسويف حديث إن أكثر صياح أهل النار من التسويف)) [12] فما هلك من هلك إلا بالتسويف، فيكون تسويده القلب نقدا، وجلاؤه بالطاعة نسيئة إلى أن يختطفه الموت فيأتى الله بقلب غير سليم ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، فالقلب أمانة الله تعالى عند عبده، والعمر أمانة الله عنده، وكذا سائر أسباب الطاعة، فمن خان في الأمانة ولم يتدارك خيانته فأمره مخطر.

قال بعض العارفين : إن لله تعالى إلى عبده سرين يسرهما إليه على سبيل الإلهام : (أحدهما) إذا خرج من بطن أمه يقول له : عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا نظيفا واستودعتك عمرك وائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر إلى كيف تلقانى والثانى عند خروج روحه يقول عبدى ماذا صنعت في أمانتى عندك هل حفظتها حتى تلقانى على العهد فألقاك على الوفاء، أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ﴿ أوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ (البقرة : 40) وبقوله تعالى : ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ (المؤمنون : 8، المعارج : 32).


بيان أن التوبة إذا استجمعت شرائطها فهى مقبولة لا محالة

اعلم أنك إذا فهمت معنى القبول لم تشك في ان كل توبة صحيحة فهى مقبولة، فالناظرون بنور البصائر المستمدون من أنوار القرآن علموا أن كل قلب سليم مقبول عند الله ومتنعم في الآخرة في جوار الله تعالى، ومستعد لأن ينظر بعينه الباقية إلى وجه الله تعالى، وعلموا أن القلب خلق سليما في الأصل، وكل مولود يولد على الفطرة وإنما تفوته السلامة بكدورة ترهق وجهه من غبرة الذنوب وظلمتها، وعلموا أن نار الندم تحرق تلك الغبرة، وأن نور الحسنة يمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة، وأنه لا طاقة لظلام المعاصى مع نور الحسنات كما لا طاقة لظلام الليل مع نور النهار بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع بياض الصابون، وكما أن الثوب الوسخ لا يقبله الملك لأن يكون لباسه، فالقلب المظلم لا يقبله الله تعالى لأن يكون في جواره، وكما أن استعمال الثوب فى الأعمال الخسيسة يوسخ الثوب وغسله بالصابون والماء الحار ينظفه لا محالة، فاستعمال القلب في الشهوات يوسخ القلب، وغسله بماء الدموع وحرقة الندم ينظفه ويطهره ويزكيه، وكل قلب زكى طاهر فهو مقبول، كما أن كل ثوب نظيف فهو مقبول، فإنما عليك التزكية والتطهير، وأما القبول فمبذول قد سبق به القضاء الأزلى الذي لا مرد له، وهو المسمى فلاحا في قوله : ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ (الشمس : 9) ومن لم يعرف على سبيل التحقيق معرفة أقوى وأجلى من المشاهدة بالبصر أن القلب يتأثر بالمعاصى والطاعات تأثرا متضادا يستعار لأحدهما لفظ الظلمة كما يستعار للجهل، ويستعار للآخر لفظ النور كما يستعار للعلم، وأن بين النور والظلمة تضادا ضروريا لا يتصور الجمع بينهما، فكأنه لم يتلق من الدين إلا قشوره ولم يعلق به إلا أسماؤه وقلبه في غطاء كثيف عن حقيقة الدين بل عن حقيقة نفسه وصفات نفسه، ومن جهل نفسه فهو بغيره أجهل وأعنى به قلبه، إذ بقلبه يعرف غير قلبه، فكيف يعرف غيره وهو لا يعرف قلبه ؟ فمن يتوهم أن التوبة تصح ولا تقبل كمن يتوهم أن الشمس تطلع والظلام لا يزول، والثوب يغسل بالصابون والوسخ لا يزول إلا أن يغوص الوسخ لطول تراكمه في تجاويف الثوب وخلله فلا يقوى الصابون على قلعه، فمثال ذلك أن تتراكم الذنوب حتى تصير طبعا ورينا على القلب فمثل هذا القلب لا يرجع ولا يتوب، نعم قد يقول باللسان تبت فيكون ذلك كقول القصار بلسانه قد غسلت الثوب وذلك لا ينظف الثوب أصلا ما لم يغير صفة الثوب باستعمال ما يضاد الوصف المتمكن به، فهذا حال امتناع أصل التوبة وهو غير بعيد، بل هو الغالب على كافة الخلق المقبلين على الدنيا المعرضين عن الله بالكلية، فهذا البيان كاف عند ذوى البصائر في قبول التوبة، ولكنا نعضد جناحه بنقل الآيات والأخبار والآثار فكل استبصار لا يشهد له الكتاب والسنة لا يوثق به، وقد قال تعالى : ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ﴾ (الشورى : 25)  وقال تعالى : ﴿ غافر الذنب وقابل التوب ﴾ (غافر : 3) إلى غير ذلك من الآيات. وقال صلى الله عليه وسلم : ((لله أفرح بتوبة أحدكم... الحديث)) [13] والفرح وراء القبول فهو دليل على القبول وزيادة وقال صلى الله عليه وسلم : ((إن الله عز وجل يبسط يده بالتوبة لمسىء الليل إلى النهار ولمسىء النهار إلى الليل حتى تطلع الشمس من مغربها))[14].

وبسط اليد كناية عن طلب التوبة والطالب وراء القابل، فرب قابل ليس بطالب ولا طالب إلا وهو قابل وقال صلى الله عليه وسلم : ((لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثم ندمتم لتاب الله عليكم)) [15] وقال أيضا  : ((إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة، فقيل : كيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : يكون نصب عينه تائبا منه فارا حتى يدخل الجنة))[16] وقال صلى الله عليه وسلم : ((كفارة الذنب الندامة))[17] وقال صلى الله عليه وسلم : ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)).

ويروى أن حبشيا قال : يا رسول الله إنى كنت أعمل الفواحش فهل لى من توبة ؟ قال : ((نعم)) فولى، ثم رجع فقال : يا رسول الله أكان يرانى وأنا أعملها ؟ قال : ((نعم)) فصاح الحبشى صيحة خرجت فيها روحه[18].

ويروى أن الله عز وجل لما لعن إبليس سأله النظرة فأنظره إلى يوم القيامة، فقال : وعزتك لا خرجت من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح، فقال الله تعالى : وعزتى وجلالى لا حجبت عنه التوبة ما دام الروح فيه[19].

وقال صلى الله عليه وسلم : ((إن الحسنات يذهبن السيئات كما يذهب الماء الوسخ))[20] والأخبار في هذا لا تحصى. 

وأما الآثار : فقد قال سعيد بن المسيب : أنزل قوله تعالى : ﴿ إنه كان للأوابين غفورا ﴾ (الإسراء : 25) في الرجل يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. *** وقال الفضيل : قال الله تعالى: ((بشر المذنبين بأنهم إن تابوا قبلت منهم، وحذر الصديقين أنى إن وضعت عليهم عدلى عذبتهم)).

وقال طلق بن حبيب : إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العبد، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين.

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : من ذكر خطيئة ألم بها فوجل منها قلبه محيت عنه في أم الكتاب.

ويروى أن نبينا من أنبياء بنى إسرائيل أذنب فأوحى الله تعالى إليه : وعزتى لئن عدت لأعذبنك فقال : يا رب أنت أنت وأنا أنا، وعزتك إن لم تعصمني لأعودن فعصمة الله تعالى. *** وقال بعضهم : إن العبد ليذنب الذنب فلا يزال نادما حتى يدخل الجنة فيقول إبليس : ليتني لم أوقعه في الذنب.

وقال حبيب بن ثابت : تعرض على الرجل ذنوبه يوم القيامة فيمر بالذنب فيقول : أما إني قد كنت مشفقا منه فيغفر له.

ويروى أن رجلا سأل ابن مسعود عن ذنب ألم به هل له من توبة ؟ فأعرض عنه ابن مسعود ثم التفت إليه فرأى عينيه تذرفان، فقال له : إن للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق إلا باب التوبة فإن عليه ملكا موكلا به لا يغلق فاعمل ولا تيأس.

وقال عبد الرحمن بن أبي القاسم : تذاكرنا مع عبد الرحيم توبة الكافر وقول الله تعالى : ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴾ (الأنفال :38) فقال : إنى لأرجو أن يكون المسلم عند الله أحسن حالا، ولقد بلغني أن توبة المسلم، كإسلام بعد إسلام.

وقال عبد الله بن سلام : لا أحدثكم إلا عن نبي مرسل أو كتاب منزل، إن العبد إذا عمل ذنبا ثم ندم عليه طرفة عين سقط عنه أسرع من طرفة عين.

قال عمر رضي الله عنه : اجلسوا إلى التوابين فإنهم أرق أفئدة.

وقال بعضهم : أنا أعلم متى يغفر الله لي، قيل : ومتى ؟ قال : إذا تاب على.

وقال آخر : أنا من أن أحرم التوبة أخوف من أن أحرم المغفرة، أي : المغفرة من لوازم التوبة وتوابعها لا محالة.

ويروى أنه كان في بنى إسرائيل شاب عبَدَ الله تعالى عشرين سنة، ثم عصاه عشرين سنة، ثم نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته فساءه ذلك فقال : إلهى أطعتك عشرين سنة ثم عصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلنى ؟ فسمع قائلا يقول - ولا يرى شخصا - : أحببتنا فأحببناك وتركتنا فتركناك وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك.

وقال ذو النون المصرى رحمه الله تعالى : إن لله عبادا نصبوا أشجار الخطايا نصب روامق القلوب، وسقوها بماء التوبة فأثمرت ندما وحزنا، فجنوا من غير جنون وتبلدوا من غير عى ولا بكم، وإنهم هم البلغاء الفصحاء العارفون بالله ورسوله، ثم شربوا بكأس الصفاء فورثوا الصبر على طول البلاء، ثم تولهت قلوبهم في الملكوت وجالت أفكارهم بين سرايا حجب الجبروت، واستظلوا تحت رواق الندم وقرءوا صحيفة الخطايا فأورثوا أنفسهم الجزع حتى وصلوا إلى علو الزهد بسلم الورع، فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا، واستلانوا خشونة المضجع حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة، وسرحت أرواحهم في العلا، حتى أناخوا في رياض النعيم، وخاضوا في بحر الحياة، وردموا خنادق الجزع، وعبروا جسور الهوى حتى نزلوا بفناء العلم، واستقوا من غدير الحكمة، وركبوا سفينة الفطنة، وأقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة حتى وصلوا إلى رياض الراحة ومعدن العز والكرامة، فهذا القدر كاف في بيان أن كل توبة صحيحة مقبولة لا محالة.

 فإن قلت : أفتقول ما قالته المعتزلة من أن قبول التوبة واجب على الله ؟ فأقول : لا أعنى بما ذكرته من وجوب قبول التوبة على الله إلا ما يريده القائل بقوله : إن الثوب إذا غسل بالصابون وجب زوال الوسخ، وإن العطشان إذا شرب الماء وجب زوال العطش، وأنه إذا منع الماء مدة وجب العطش، وأنه إذا دام العطش وجب الموت، وليس في شىء من ذلك ما يريده المعتزلة بالإيجاب على الله تعالى، بل أقول : خلق الله تعالى الطاعة مكفرة للمعصية والحسنة ماحية للسيئة، كما خلق الماء مزيلا للعطش، والقدرة متسعة بخلافه، لو سبقت به المشيئة، فلا واجب على الله تعالى، ولكن ما سبقت به إرادته الأزلية فواجب كونه لا محالة.

فإن قلت : فما من تائب إلا وهو شاك في قبول توبته، والشارب للماء لا يشك في زوال عطشه فلم يشك فيه ؟ فأقول : شكه فى القبول كشكه فى وجود شرائط الصحة، فإن للتوبة أركانا وشروطا دقيقة كما سيأتى، وليس يتحقق وجود جميع شروطها كالذي يشك في دواء شربه للإسهال فإنه هل يسهل، وذلك لشكه في حصول شروط الإسهال في الدواء باعتبار الحال والوقت وكيفية خلط الدواء وطبخه وجودة عقاقيره وأدويته، فهذا وأمثاله موجب للخوف بعد التوبة، وموجب للشك في قبولها لا محالة على ما سيأتى في شروطها إن شاء الله تعالى.


 

1 حديث)) الندم توبة ((أخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم، وصحح إسناده من حديث ابن مسعود، ورواه ابن حبان والحاكم من حديث أنس وقال: صحيح على شرط الشيخين. { صححه الألباني في صحيح الجامع (6082)}

2 الأخبار الدالة على وجوب التوبة : أخرج مسلم من حديث الأغر المزنى: ((يا أيها الناس توبوا إلى الله. ***. ***. *** الحديث)). *** ولابن ماجه من حديث جابر : ((يا أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا. ***. ***. *** الحديث)) وسنده ضعيف. { حديث جابر ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (6386) }

3 حديث ((التائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له)) أخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود بالشطر الثاني دون الأول، وأما الشطر الأول فروى ابن أبي الدنيا في التوبة، وأبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث أنس بسند ضعيف((إن الله يحب الشاب التائب)) ولعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وأبى يعلىبسند ضعيف من حديث على ((إن الله يحب العبد المؤمن المفتن التواب)). *** { حديث ابن مسعود حسنه الألباني في صحيح الجامع (3008)، وأما حديث أنس فذكره في ضعيف الجامع (1701)، وقال : ضعيف جدا، وأما حديث علي فذكره في الضعيفة (96)، وقال : موضوع }

4  حديث ((لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض فلاة دوية مهلكة... الحديث)) متفق عليه من حديث ابن مسعود وأنس. *** زاد مسلم في حديث أنس ((ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدى وأنا ربك)) أخطأ من شدة الفرح، ورواه مسلم بهذه الزيادة من حديث النعمان بن بشير، ومن حديث أبى هريرة مختصرا.

5  حديث ((لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن)) متفق عليه من حديث أبي هريرة.

6 النياط : نياط القلب هو ما تُحلّق به إلى الرئتين. 

7 حديث ((أنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة)) أخرجه مسلم من حديث الأغر المزنى، إلا أنه قال :  ((فى اليوم مائة مرة)) وكذا عند أبي داود، وللبخاري من حديث أبي هريرة ((إنى لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة)). وفي رواية البيهقي في الشعب ((سبعين)) لم يقل ((أكثر)) وتقدم فى الأذكار والدعوات.

8  حديث ((اتبع السيئة الحسنة تمحها))  أخرجه الترمذي من حديث ابي ذر بزيادة في أوله وآخره وقال : حسن صحيح، وقد تقدم في رياضة النفس. {حسنه الألباني في صحيح الجامع (97)}

 9 الوضم : ما يضع عليه الجزار اللحم من خشب أو نحوه. 

10 حديث ((نزعه صلى الله عليه وسلم الثوب الذي كان عليه في الصلاة)) تقدم في الصلاة أيضا.

11 حديث ((نزعه الشراك الجديد وإعادة الشراك الخلق)) تقدم في الصلاة أيضا.

 12 حديث ((إن أكثر صياح أهل النار من التسويف)) لم أجد له أصلا

13 متفق عليه من حديث أنس بن مالك فقد أخرجه البخاري (6309)، ومسلم (2847).

14 حديث ((إن الله يبسط يده بالتوبة لمسىء الليل إلى النهار... الحديث)) رواه مسلم من حديث أبي موسى بلفظ : ((يبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار. ***. ***. ***الحديث)) وفي رواية للطبراني : ((لمسىء الليل أن يتوب بالنهار. ***. ***. *** الحديث)).

15 حديث ((لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثم ندمتم لتاب عليكم))  أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة وإسناده حسن بلفظ ((لو أخطأتم)) وقال : ((ثم تبتم)). {حسنه الألباني في صحيح الجامع (5235)، والصحيحة (900)}.

16 حديث ((إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة... الحديث)) أخرجه ابن المبارك في الزهد عن المبارك بن فضالة عن الحسن مرسلا، ولأبى نعيم في الحلية من حديث أبى هريرة ((إن العبد ليذنب الذنب فإذا ذكره أحزنه فإذا نظر الله إليه أنه أحزنه غفر له... الحديث)) وفيه صالح المري، وهو رجل صالح لكنه مضعف في الحديث. *** ولابن أبى الدنيا في التوبة عن ابن عمر  ((إن الله لينفع العبد بالذنب يذنبه)) والحديث غير محفوظ قاله العقيلي. {أما حديث الحسن فضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1053)، وأما حديث أبي هريرة فضعفه في ضعيف الجامع (1054)، وأما حديث ابن عمر فضعفه في ضعيف الجامع (1661)}.

17 حديث ((كفارة الذنب الندامة)) أخرجه أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس، وفيه يحيى بن عمرو بن مالك اليشكرى ضعيف. {ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4189)}

18 حديث ((إن حبشيا قال : يا رسول الله إني كنت أعمل الفواحش فهل لى من توبة ؟ قال : نعم... الحديث))) لم أجد له أصلا.

19 حديث ((إن الله لما لعن ابليس سأله النظرة فأنظره الى يوم القيامة، فقال : وعزتك لاخرجت من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح... الحديث)) أخرجه أحمد وابو يعلى والحاكم وصححه من حديث أبى سعيد ان الشيطان قال : وعزتك يا رب لا أزال أغوى عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال : وعزتى وجلالى لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى، أورده المصنف بصيغة : ويروى كذا ولم يعزه الى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرته احتياطا.

20 حديث ((إن الحسنات يذهبن السيئات كما يذهب الماء الوسخ)) لم أجده بهذا اللفظ، وهو صحيح المعنى وهو بمعنى  ((أتبع السيئة الحسنة تمحها)) رواه الترمذي وتقدم قريبا.