تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 
الركن الثاني
فيما عنه التوبة وهى الذنوب صغائرها وكبائرها


 اعلم أن التوبة ترك الذنب، ولا يمكن ترك الشىء إلا بعد معرفته، وإذا كانت التوبة واجبة كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجبا، فمعرفة الذنوب إذن واجبة، والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى في ترك أو فعل، وتفصيل ذلك يستدعى شرح التكليفات من أولها إلى آخرها.

وليس ذلك من غرضنا، ولكنا نشير إلى مجامعها وروابط أقسامها، والله الموفق للصواب برحمته.


بيان أقسام الذنوب بالإضافة إلى صفات العبد

اعلم أن للإنسان أوصافا وأخلاقا كثيرة على ما عرف شرحه في كتاب عجائب القلب وغوائله، ولكن تنحصر مثارات الذنوب في أربع صفات : صفات ربوبية، وصفات شيطانية، وصفات بهيمية، وصفات سبعية.

وذلك لأن طينة الإنسان عجنت من أخلاط مختلفة فاقتضى كل واحد من الأخلاط في المعجون منه أثرا من الآثار كما يقتضى السكر والخل والزعفران في السكنجبين[1] آثارا مختلفة فأما ما يقتضى النزوع إلى الصفات الربوبية فمثل الكبر والفخر والجبرية وحب المدح والثناء والغنى وحب دوام البقاء وطلب الاستعلاء على الكافة حتى كأنه يريد أن يقول : أنا ربكم الأعلى، وهذا يتشعب منه جملة من كبائر الذنوب غفل عنها الخلق، ولم يعدوها ذنوبا وهى المهلكات العظيمة التى هى كالأمهات لأكثر المعاصي كما استقصيناه في ربع المهلكات (الثانية) : هى الصفة الشيطانية التى منها يتشعب الحسد والبغى والحيلة والخداع والأمر بالفساد والمكر وفيه يدخل الغش والنفاق والدعوة إلى البدع والضلال.

(الثالثة) : الصفة البهيمية ومنها يتشعب الشره والكلب والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومنه يتشعب الزنا واللوط والسرقة وأكل مال الأيتام وجمع الحطام لأجل الشهوات.

(الرابعة) : الصفة السبعية، ومنها يتشعب الغضب والحقد والتهجم على الناس بالضرب والشتم والقتل واستهلاك الأموال، ويتفرع عنها جمل من الذنوب، وهذه الصفات لها تدريج في الفطرة، فالصفة البهيمية هى التى تغلب أولا ثم تتلوها الصفة السبعية ثانيا، ثم إذا اجتمعا استعملا العقل في الخداع والمكر والحيلة وهى الصفة الشيطانية، ثم بالآخرة تغلب الصفات الربوبية وهى الفخر والعز والعلو وطلب الكبرياء، وقصد الاستيلاء على جميع الخلق، فهذه أمهات الذنوب ومنابعها ثم تنفجر الذنوب من هذه المنابع على الجوارح، فبعضها في القلب خاصة كالكفر والبدعة والنفاق وإضمار السوء للناس وبعضها على العين والسمع، وبعضها على اللسان، وبعضها على البطن، والفرج، وبعضها على اليدين والرجلين، وبعضها على جميع البدن، ولا حاجة إلى بيان تفصيل ذلك فإنه واضح. قسمة ثانية : اعلم أن الذنوب تقسم إلى ما بين العبد وبين الله تعالى وإلى ما يتعلق بحقوق العباد.

فما يتعلق بالعبد خاصة كترك الصلاة والصوم والواجبات الخاصة به، وما يتعلق بحقوق العباد، كتركه الزكاة وقتله النفس وغصبه الأموال وشتمه الأعراض وكل متناول من حق الغير، فإما نفس أو طرف أو مال أو عرض أو دين أو جاه، وتناول الدين بالإغواء والدعاء إلى البدعة والترغيب في المعاصى وتهييج أسباب الجراءة على الله تعالى كما يفعله بعض الوعاظ بتغليب جانب الرجاء على جانب الخوف، وما يتعلق بالعباد فالأمر فيه أغلظ، وما بين العبد وبين الله تعالى إذا لم يكن شركا فالعفو فيه أرجى وأقرب، وقد جاء فى الخبر، الدواوين ثلاثة : ديوان يغفر،  وديوان لا يغفر، وديوان لا يترك ؛ فالديوان الذي يغفر : ذنوب العباد بينهم وبين الله تعالى. وأما الديوان الذي لا يغفر : فالشرك بالله تعالى.

وأما الديوان الذي لا يترك : فمظالم العباد[2] ؛ أي لا بد وأن يطالب بها حتى يعفى عنها. قسمة ثالثة : اعلم أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد كثر اختلاف الناس فيها، فقال قائلون : لا صغيرة ولا كبيرة، بل كل مخالفة لله فهى كبيرة، وهذا ضعيف، إذ قال تعالى : ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ﴾ (النساء : 31). وقال تعالى : ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ﴾ (النجم :  32) وقال صلى الله عليه وسلم : ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة يكفرن ما بينهن إن اجتنبت الكبائر))[3] وفى لفظ آخر : ((كفارات لما بينهن إلا الكبائر)) وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص : ((الكبائر : الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس))[4]. واختلف الصحابة والتابعون في عدد الكبائر من أربع إلى سبع إلى تسع إلى إحدى عشرة فما فوق ذلك، فقال ابن مسعود : هن أربع. وقال ابن عمر : هن سبع. وقال عبد الله بن عمرو : هن تسع. وكان ابن عباس إذا بلغه قول ابن عمر الكبائر سبع يقول : هن إلى سبعين أقرب منها إلى سبع. وقال مرة :كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة. وقال غيره : كل ما أوعد الله عليه بالنار فهو من الكبائر.

وقال بعض السلف : كل ما أوجب عليه الحد فى الدنيا فهو كبيرة.

وقيل : إنها مبهمة لا يعرف عددها كليلة القدر وساعة يوم الجمعة. وقال ابن مسعود لما سئل عنها : اقرأ من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية منها عند قوله ﴿  إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ (النساء : 31)  فكل ما نهى الله عنه فى هذه السورة إلى هنا فهو كبيرة.

وقال أبو طالب المكى : الكبائر سبع عشر جمعتها من جملة الأخبار [5].

وجملة ما اجتمع من قول ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وغيرهم : أربعة في القلب وهى : الشرك بالله، والإصرار على معصيته، والقنوط من رحمته، والأمن من مكره.

وأربع في اللسان وهى : شهادة الزور، وقذف المحصن، واليمين الغموس ؛ وهى التى يحق بها باطلا أو يبطل بها حقا، وقيل : هى التى يقتطع بها مال أمرىء مسلم باطلا ولو سواكا من أراك، وسميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار.

والسحر ؛ وهو كل كلام يغير الإنسان وسائر الأجسام عن موضوعات الخلقة.

وثلاث في البطن وهى : شرب الخمر، والسكر من كل شراب، وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربا وهو يعلم.

واثنتان في الفرج وهما : الزنا، واللواط.

واثنتان في اليدين وهما : القتل، والسرقة.

وواحدة في الرجلين وهى : الفرار من الزحف. الواحد من اثنتين والعشرة من العشرين.

وواحدة في جميع الجسد وهى : عقوق الوالدين، قال : وجملة عقوقهما أن يقسما عليه في حق فلا يبر قسمهما، وإن سألاه حاجة فلا يعطيهما، وأن يسباه فيضربهما، ويجوعان فلا يطعمهما : هذا ما قاله وهو قريب، ولكن ليس يحصل به تمام الشفاء، إذ يمكن الزيادة عليه والنقصان منه، فإنه جعل أكل الربا ومال اليتيم من الكبائر، وهى جناية على الأموال ولم يذكر في كبائر النفوس إلا القتل، فأما فقء العين وقطع اليدين وغير ذلك من تعذيب المسلمين بالضرب وأنواع العذاب فلم يتعرض له، وضرب اليتيم وتعذيبه، وقطع أطرافه لا شك في أنه أكبر من أكل ماله، كيف وفي الخبر ((من الكبائر السبتان بالسبة، ومن الكبائر استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم))[6] وهذا زائد على قذف المحصن.

وقال أبو سعيد الخدري وغيره من الصحابة : إنكم لتعملون أعمالا هى أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر[7].

وقالت طائفة : كل عمد كبيرة، وكل ما نهى عنه فهو كبيرة وكشف الغطاء عن هذا أن نظر الناظر في السرقة أهى كبيرة أم لا : لا يصح، ما لم يفهم معنى الكبيرة، والمراد بها كقول القائل : السرقة حرام أم لا ؟ ولا مطمع في تعريفه إلا بعد تقرير معنى الحرام أولا، ثم البحث عن وجوده في السرقة، فالكبيرة من حيث اللفظ مبهم ليس له موضوع خاص في اللغة ولا في الشرع، وذلك لأن الكبير والصغير من المضافات، وما من ذنب إلا وهو كبير بالإضافة إلى ما دونه، وصغير بالإضافة إلى ما فوقه، فالمضاجعة مع الأجنبية بالاضافة إلى النظرة صغيرة بالإضافة إلى الزنا، وقطع يد المسلم كبيرة إلى ضربة صغيرة بالاضافة إلى قتله.

نعم للإنسان أن يطلق على ما توعد بالنار على فعله خاصة اسم الكبيرة، ونعنى بوصفه بالكبيرة : أن العقوبة بالنار عظيمة، وله أن يطلق على ما أوجب الحد عليه مصيرا إلى أن ما عجل عليه في الدنيا عقوبه واجبة عظيم، وله أن يطلق على ما ورد في نص الكتاب النهى عنه فيقول : تخصيصه بالذكر في القرآن يدل على عظمه، ثم يكون عظيما وكبيرة لا محالة، بالاضافة إذ منصوصات القرآن أيضا تتفاوت درجاتها، فهذه الإطلاقات لا حرج فيها، وما نقل من ألفاظ الصحابه يتردد بين هذه الجهات ولا يبعد تنزيلها على شىء من هذه الاحتمالات، نعم من المهمات أن تعلم معنى قول الله تعالى : ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ (النساء : 31)  وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الصلوات كفارات لما بينهن إلا الكبائر)) فإن هذا إثبات حكم الكبائر، والحق في ذلك أن الذنوب منقسمة في نظر الشرع إلى ما يعلم استعظامه إياها، وإلى ما يعلم إنها معدودة في الصغائر، وإلى ما يشك فيه، فلا يدرى حكمه، فالطمع في معرفة حد حاصر أو عدد جامع مانع طلب لما لم يمكن، فإن ذلك لا يمكن إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول : إني أردت بالكبائر عشرا أو خمسا ويفصلها فإن لم يرد هذا بل ورد في بعض الألفاظ ((ثلاث من الكبائر))[8] وفي بعضها ((سبع من الكبائر))[9]ثم ورد أن ((السبتين بالسبة الواحدة من الكبائر)) وهو خارج عن السبع والثلاث : علم أنه لم يقصد به العدد بما يحصر، فكيف يطمع في عدد ما لم يعده الشرع ؟ وربما قصد الشرع ابهامه ليكون العباد منه على وجل، كما أبهم ليلة القدر ليعظم جد الناس في طلبها، نعم لنا سبيل كلى يمكننا ان نعرف به أجناس الكبائر وأنواعها بالتحقيق.

وأما أعيانها فنعرفها بالظن والتقريب، ونعرف أيضا أكبر الكبائر، فأما أصغر الصغائر فلا سبيل إلى معرفته، وبيانه أنا نعلم بشواهد الشرع وأنوار البصائر جميعا أن مقصد الشرائع كلها سياق الخلق إلى جوار الله تعالى وسعادة لقائه، وأنه لا وصول لهم إلى ذلك إلا بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وكتبه ورسله، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾  (الذاريات : 56)  أي : ليكونوا عبيد لى، ولا يكون العبد عبدا ما لم يعرف ربه بالربوبية، ونفسه بالعبودية، ولا بد أن يعرف نفسه وربه، فهذا هو المقصود الأقصى ببعثة الأنبياء، ولكن لا يتم هذا إلا في الحياة الدنيا، وهو المعنى بقوله عليه الصلاة والسلام : ((الدنيا مزرعة الآخرة))[10]. فصار حفظ الدنيا أيضا مقصودا تابعا للدين لأنه وسيلة إليه والمتعلق من الدنيا بالآخرة شيئان : النفوس والأموال، فكل ما يسد باب معرفة الله تعالى فهو أكبر الكبائر، ويليه ما يسد باب حياة النفوس، ويليه باب ما يسد المعايش، التى بها حياة الناس.

فهذه ثلاث مراتب فحفظ المعرفة على القلوب، والحياة على الأبدان، والأموال على الأشخاص ضروري في مقصود الشرائع كلها، وهذه ثلاثة أمور لا يتصور أن تختلف فيها الملل، فلا يجوز أن الله تعالى يبعث نبيا يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم، ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله، أو يأمرهم بإهلاك النفوس وإهلاك الأموال، فحصل من هذا أن الكبائر على ثلاث مراتب.

(الأولى) : ما يمنع من معرفة الله تعالى ومعرفة رسله وهو الكفر، فلا كبيرة فوق الكفر، إذ الحجاب بين الله وبين العبد هو الجهل، والوسيلة المقربة له إليه هو العلم والمعرفة وقربة بقدر معرفته، وبعده بقدر جهله، ويتلو الجهل الذي يسمى كفرا الأمن من مكر الله والقنوط من رحمته، فإن هذا أيضا عين الجهل، فمن عرف الله لم يتصور أن يكون آمنا، ولا أن يكون آيسا، ويتلو هذه الرتبة : البدع كلها المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله وبعضها أشد من بعض، وتفاوتها على حسب تفاوت الجهل بها وعلى حسب تعلقها بذات الله سبحانه بأفعاله وشرائعه وبأوامره ونواهيه، ومراتب ذلك لاتنحصر وهى تنقسم إلى ما يعلم أنها داخلة تحت ذكر الكبائر المذكورة في القرآن.

وإلى ما يعلم أنه لا يدخل وإلى ما يشك فيه، وطلب دفع الشك في القسم المتوسط طمع في غير مطمع.

(المرتبة الثانية) : النفوس إذ ببقائها وحفظها تدوم الحياة وتحصل المعرفة بالله، فقتل النفس لا محالة من الكبائر، وإن كان دون الكفر، لأن ذلك يصدم عين المقصود وهذا يصدم وسيلة المقصود، إذ حياة الدنيا لا تراد إلا للآخرة والتوصل إليها بمعرفة الله تعالى، ويتلو هذه الكبيرة قطع الأطراف، وكل ما يفضى إلى الهلاك حتى الضرب وبعضها أكبر من بعض، ويقع في هذه الرتبة تحريم الزنا واللواط، لأنه لو اجتمع الناس على الاكتفاء بالذكور في قضاء الشهوات انقطع النسل، ودفع الموجود قريب من قطع الوجود، وأما الزنا فإنه لا يفوت أصل الوجود ولكن يشوش الأنساب ويبطل التوارث والتناصر وجملة من الأمور التى لا ينتظم العيش إلا بها، بل كيف يتم النظام مع إباحة الزنا ولا ينتظم أمور البهائم ما لم يتميز الفحل منها بإناث يختص بها عن سائر الفحول، ولذلك لا يتصور أن يكون الزنا مباحا في أصل شرع قصد به الإصلاح، وينبغى أن يكون الزنا فى الرتبة دون القتل، لأنه ليس يفوت دوام الوجود ولا يمنع أصله، ولكنه يفوت تمييز الأنساب ويحرك من الأسباب ما يكاد يفضى إلى التقاتل، وينبغى أن يكون أشد من اللواط لأن الشهوة داعية إليه من الجانبين فيكثر وقوعه ويعظم أثر الضرر بكثرته.

(المرتبة الثالثة) : الأموال فإنها معايش الخلق، فلا يجوز تسلط الناس على تناولها كيف شاءوا حتى بالاستيلاء والسرقة وغيرهما، بل ينبغى أن تحفظ لتبقى ببقائها النفوس، إلا أن الأموال إذا أخذت أمكن استردادها، وإن أكلت أمكن تغريمها فليس يعظم الأمر فيها.

نعم إذا جرى تناولها بطريق يعسر التدارك له فينبغى أن يكون ذلك من الكبائر، وذلك بأربع طرق : أحدها الخفية، وهى السرقة فإنه إذا لم يطلع عليه غالبا كيف يتدارك. الثانى : أكل مال اليتيم، وهذا أيضا من الخفية وأعنى به في حق الولى والقيم فإنه مؤتمن فيه وليس له خصم سوى اليتيم وهو صغير لا يعرفه فتعظيم الأمر فيه واجب، بخلاف الغصب فإنه ظاهر يعرف، وبخلاف الخيانة في الوديعة فإن المودع خصم فيه ينتصف لنفسه. الثالث : تفويتها بشهادة الزور. الرابع : أخذ الوديعة وغيرها باليمين الغموس فإن هذه طريق لا يمكن فيها التدارك ولا يجوز أن تختلف الشرائع في تحريمها أصلا، وبعضها أشد من بعض، وكلها دون الرتبة الثانية المتعلقة بالنفوس، وهذه الأربعة جديرة بأن تكون مرادة بالكبائر وإن لم يوجب الشرع الحد في بعضها، ولكن أكثر الوعيد عليها وعظم في مصالح الدنيا تأثيرها، وأما أكل الربا فليس إلا أكل مال الغير بالتراضى مع الإخلال بشرط وضعه الشرع، ولا يبعد أن تختلف الشرائع في مثله، وإذا لم يجعل الغضب الذى هو أكل مال الغير بغيره رضاه، وبغير رضا الشرع من الكبائر، فأكل الربا أكل برضا المالك، ولكن دون رضا الشرع، وإن عظم الشرع الزنا بالزجر عنه فقد عظم أيضا الظلم بالغصب وغيره وعظم الخيانة، والمصير إلى أن أكل دانق بالخيانة أو الغصب من الكبائر فيه نظر، وذلك واقع في مظنة الشك وأكثر ميل الظن إلى انه غير داخل تحت الكبائر، بل ينبغى أن تختص الكبيرة بما لا يجوز اختلاف الشرع فيه ليكون ضروريا في الدين، فيبقى مما ذكره أبو طالب المكي القذف والشرب والسحر والفرار من الزحف وحقوق الوالدين، أما الشرب لما يزيل العقل فهو جدير بأن يكون من الكبائر، وقد دل عليه تشديدات الشرع وطريق النظر أيضا، لأن العقل محفوظ كما أن النفس محفوظة، بل لا خير في النفس دون العقل فإزالة العقل من الكبائر، ولكن هذا لا يجرى في قطرة من الخمر، فلا شك في أنه لو شرب ماء فيه قطرة من الخمر لم يكن ذلك كبيرة وإنما هو شرب ماء نجس، والقطرة وحدها في محل الشك، وإيجاب الشرع الحد به يدل على تعظيم أمره، فيعد ذلك من الكبائر بالشرع، وليس في قوة البشرية الوقوف على جميع أسرار الشرع، فإن ثبت إجماع في أنه كبيرة وجب الاتباع، ولا فللتوقف فيه مجال. وأما القذف فليس فيه إلا تناول الأعراض، والأعراض دون الأموال في الريبة، ولتناولها مراتب، وأعظمها التناول بالقذف بالإضافة إلى فاحشة الزنا، وقد عظم الشرع أمره، وأظن ظنا غالبا أن الصحابة كانوا يعدون كل ما يجب به الحد كبيرة، فهو بهذا الاعتبار لا تكفره الصلوات الخمس، وهو الذي نريده بالكبيرة الآن، ولكن من حيث إنه يجوز أن تختلف فيه الشرائع فالقياس بمجرده لا يدل على كبره وعظمته، بل كان يجوز أن يرد الشرع بأن العدل الواحد إذا رأى إنسانا يزنى فله أن يشهد ويجلد المشهود عليه بمجرد شهادته فإن لم تقبل شهادته، فحده ليس ضروريا في مصالح الدنيا، وإن كان على الجملة من المصالح الظاهرة الواقعة في رتبة الحاجات، فإذن هذا أيضا يلحق بالكبائر في حق من عرف حكم الشرع، فأما من ظن أن له أن يشهد وحده، أو ظن أنه يساعده على شهادة غيره فلا ينبغى أن يجعل في حقه من الكبائر. وأما السحر فإن كان فيه كفر فكبيرة، وإلا فعظمته بحسب الضرر الذي يتولد منه من هلاك نفس أو مرض أو غيره. وأما الفرار من الزحف وعقوق الوالدين، فهذا أيضا ينبغى أن يكون من حيث القياس في محل التوقف، وإذا قطع بأن سب الناس بكل شىء سوى الزنا، وضربهم، والظلم لهم بغصب أموالهم، وإخراجهم من مساكنهم وبلادهم، وإجلائهم من أوطانهم ليس من الكبائر - إذ لم ينقل ذلك في السبع عشرة كبيرة وهو أكبر ما قيل فيه - فالتوقف في هذا أيضا غير بعيد، ولكن الحديث يدل على تسميته كبيرة فليحلق بالكبائر. فإذا رجع حاصل الأمر إلى أنا نعنى بالكبيرة ما لا تكفره الصلوات بحكم الشرع وذلك مما انقسم إلى ما علم أنه لا تكفره قطعا، وإلى ما ينبغى أن تكفره وإلى ما يتوقف فيه، والمتوقف فيه بعضه مظنون للنفى والإثبات وبعضه مشكوك فيه، وهو شك لا يزيله إلا نص كتاب أو سنة، وإذن لا مطمع فيه فطلب رفع الشك فيه محال.

فإن قلت : فهذا إقامة برهان على استحالة معرفة حدها، فكيف يرد الشرع بما يستحيل معرفة حده ؟ فاعلم أن كل ما لا يتعلق به حكم في الدنيا فيجوز أن يتطرق إليه الإبهام، لأن دار التكليف هى دار الدنيا، والكبيرة على الخصوص لا حكم لها في الدنيا من حيث إنها كبيرة، بل كل موجبات الحدود معلومة بأسمائها كالسرقة والزنا وغيرهما، وإنما حكم الكبيرة أن الصلوات الخمس لا تكفرها، وهذا أمر يتعلق بالآخرة، والإبهام أليق به حتى يكون الناس على وجل وحذر فلا يتجرءون على الصغائر اعتمادا على الصلوات الخمس، وكذلك اجتناب الكبائر يكفر الصغائر بموجب قوله تعالى : ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ (النساء : 31)  ولكن اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة، كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع فيقتصر على نظر أو لمس، فإن مجاهدة نفسه بالكف عن الوقاع أشد تأثيرا في تنوير قلبه من إقدامه على النظر في إظلامه، فهذا معنى تكفيره، فإن كان عنينا أو لم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادرا ولكن امتنع لخوف أمر آخر فهذا لا يصلح للتكفير أصلا، وكل من يشتهى الخمر بطبعه ولو أبيح له لما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التى هى مقدماته كسماع الملاهى والأوتار ـ نعم من يشتهى الخمر وسماع الأوتار فيمسك نفسه بالمجاهدة عن الخمر ويطلقها في السماع فمجاهدته النفس بالكف ربما تمحو عن قلبه الظلمة التى ارتفعت إليه من معصية السماع، فكل هذه أحكام أخروية، ويجوز أن يبقى بعضها في محل الشك، وتكون من المتشابهات فلا يعرف تفصيلها إلا بالنص، ولم يرد النص بعد ولا حد جامع، بل ورد بألفاظ مختلفات، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ((الصلاة إلى الصلاة كفارة، ورمضان إلى رمضان كفارة إلا من ثلاث : إشراك بالله، وترك السنة، ونكث الصفقة))[11].

قيل : ما ترك السنة ؟ قيل : الخروج عن الجماعة.

ونكث الصفقة : أن يبايع رجلا ثم يخرج عليه بالسيف يقاتله، فهذا وأمثاله من الألفاظ لا يحيط بالعدد كله، ولا يدل على حد جامع فيبقى لا محالة مبهما.

فإن قلت : الشهادة لا تقبل إلا ممن يجتنب الكبائر، والورع عن الصغائر ليس شرطا في قبول الشهادة، وهذا من أحكام الدنيا، فاعلم أنا لا نخصص رد الشهادة بالكبائر، فلا خلاف في أن من يسمع الملاهى ويلبس الديباج ويتختم بخاتم الذهب ويشرب في أوانى الذهب والفضة لا تقبل شهادته، ولم يذهب أحد إلى أن هذه الأمور من الكبائر، وقال الشافعى رضي الله عنه : إذا شرب الحنفى النبيذ حددته ولم أرد شهادته، فقد جعله كبيرة بإيجاب الحد ولم يرد به الشهادة، فدل على أن الشهادة نفيا وإثباتا لا تدور على الصغائر والكبائر، بل كل الذنوب تقدح في العدالة إلا ما لا يخلو الإنسان عنه غالبا بضرورة مجارى العادات : كالغيبة، والتجسس، وسوء الظن، والكذب فى بعض الأقوال، وسماع الغيبة، وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأكل الشبهات، وسب الولد والغلام، وضربهما بحكم الغضب  زائدا على المصلحة، وإكرام السلاطين الظلمة، ومصادقة الفجار، والتكاسل عن تعليم الأهل والولد جميع ما يحتاجون إليه من أمر الدين، فهذه ذنوب لا يتصور أن ينفك الشاهد عن قليلها، أو كثيرها إلا بأن يعتزل الناس ويتجرد لأمور الآخرة، ويجاهد نفسه مدة بحيث يبقى على سمعته مع المخالفة بعد ذلك، ولو لم يقبل إلا قول مثله لعز وجوده وبطلت الأحكام والشهادات.

وليس لبس الحرير وسماع الملاهى واللعب بالنرد ومجالسة أهل الشرب في وقت الشرب والخلوة بالأجنبيات وأمثال هذه الصغائر من هذا القبيل، فإلى مثل هذا المنهاج ينبغى أن ينظر في قبول الشهادة وردها لا إلى الكبيرة والصغيرة، ثم آحاد هذه الصغائر التى لا ترد الشهادة بها لو واظب عليها لأثر في رد الشهادة كمن اتخذ الغيبة وثلب الناس عادة، وكذلك مجالسة الفجار ومصادقتهم، والصغيرة تكبر بالمواظبة، كما أن المباح يصير صغيرة بالمواظبة، كاللعب بالشطرنج والترنم بالغناء على الدوام وغيره، فهذا بيان حكم الصغائر والكبائر.


بيان كيفية نوزع الدرجات والدركات في الآخرة على الحسنات والسيئات في الدنيا

اعلم أن الدنيا من عالم الملك والشهادة، والآخرة من عالم الغيب والملكوت وأعنىبالدنيا حالتك قبل الموت، وبالآخرة حالتك بعد الموت، فدنياك وآخرتك صفاتك وأحوالك يسمى القريب الدانى منها دنيا، والمتأخر آخرة، ونحن الآن نتكلم من الدنيا فى الآخرة، فإنا الآن نتكلم في الدنيا وهو عالم الملك، وغرضنا شرح الآخرة وهى عالم الملكوت، ولا يتصور شرح عالم الملكوت في عالم الملك إلا بضرب الأمثال، ولذلك قال تعالى : ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ (العنكبوت : 43)  وهذا لأن عالم الملك نوم بالإضافة إلى عالم الملكوت، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ((الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا))[12] وما سيكون في اليقظة لا يتبين لك في النوم إلا الأمثال المحوجة إلى التعبير، فكذلك ما سيكون في يقظة الآخرة لا يتبين في نوم الدنيا إلا في كثرة الأمثال، وأعنى بكثرة الأمثال ما نعرفه من علم التعبير، ويكفيك منه إن كنت فطنا ثلاثة أمثلة. فقد جاء رجل إلى ابن سرين فقال : رأيتك كأن في يدى خاتما أختم به أفواه الرجال وفروج النساء، فقال : إنك مؤذن تؤذن في رمضان قبل طلوع الفجر.

قال : صدقت. وجاء رجل آخر فقال : رأيت كأنى أصب الزيت في الزيتون.

فقال : إن كان تحتك جارية اشتريتها ففتش عن حالها فإن أمك سبيت في صغرك ؛ لأن الزيتون أصل الزيت فهو يرد الى الأصل، فنظر فإذا جاريته كانت أمه وقد سبيت في صغره.

وقال له آخر : رأيت كأنى أقلد الدر في أعناق الخنازير، فقال : إنك تعلم الحكمة غير أهلها، فكان كما قال، والتعبير من أوله إلى آخره أمثال تعرفك طريق ضرب الأمثال، وإنما نعنى بالمثل أداء المعنى في صورة إن نظر إلى معناه وجده صادقا، وإن نظر إلى صورته وجده كاذبا، فالمؤذن إن نظر إلى صورة الخاتم والختم به على الفروج رآه كاذبا، فإنه لم يختم به قط، وإن نظر إلى معناه وحده صادقا إذ صدر منه روح الختم ومعناه وهو المنع الذي يراد الختم له، وليس للأنبياء أن يتكلموا مع الخلق إلا بضرب الأمثال، لأنهم كلفوا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم، وقدر عقولهم أنهم في النوم والنائم لا يكشف له عن شيء إلا بمثل، فإذا ماتوا انتبهوا وعرفوا أن المثل صادق، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ((قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن))[13].

وهو من المثال الذي لا يعقله إلا العالمون، فأما الجاهل فلا يجاوز قدره ظاهر المثال لجهله بالتفسير الذي يسمى تأويلا، كما يسمى تفسير ما يرى من الأمثلة في النوم تعبيرا فيثبت لله تعالى يدا واصبعا - تعالى الله عن قوله علوا كبيرا - وكذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله خلق آدم على صورته))[14]، فإنه لا يفهم من الصورة إلا اللون والشكل والهيئة فيثبت لله تعالى مثل ذلك - تعالى الله عن قوله علوا كبيرا - من ههنا زل من زل في صفات إلهية حتى في الكلام وجعلوه صوتا وحرفا إلى غير ذلك من الصفات، والقول فيه يطول، وكذلك قد يرد في أمر الآخرة ضرب أمثله يكذب بها الملحد بجمود نظره على ظاهر المثال وتناقضه عنده، كقوله صلى الله عليه وسلم : ((يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح))[15]، فيثور الملحد الأحمق ويكذب ويستدل به على كذب الأنبياء ويقول : يا سبحان الله. الموت عرض والكبش جسم فكيف ينقلب العرض جسما ؟ وهل هذا إلا محال، ولكن الله تعالى عزل هؤلاء الحمقى عن معرفة أسراره فقال : ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ (العنكبوت : 43)  ولا يدرى المسكين أن من قال : رأيت في منامى أنه جىء بكبش وقيل : هذا هو الوباء الذي في البلد وذبح فقال المعبر : صدقت والأمر كما رأيت، وهذا يدل على أن هذا الوباء ينقطع ولا يعود قط، لأن المذبوح وقع اليأس منه، فإذن المعبر صادق في تصديقه، وهو صادق في رؤيته، وترجع حقيقة ذلك إلى أن الموكل بالرؤيا وهو الذي يطلع الأرواح عند النوم على ما في اللوح المحفوظ عرفه بما في اللوح المحفوظ بمثال ضربه له، لأن النائم إنما يحتمل المثال، فكان مثاله صادقا وكان معناه صحيحا، فالرسل أيضا إنما يكلمون الناس في الدنيا وهى بالإضافة إلى الآخرة نوم، فيوصلون المعانى إلى أفهامهم بالأمثله حكمة من الله ولطفا بعباده وتيسيرا لإدراك ما يعجزون عن إدراكه دون ضرب المثل، فقوله : ((يؤتى بالموت في صورة كبش أملح)) مثال ضربه ليوصل إلى الأفهام حصول اليأس من الموت، وقد جبلت القلوب على التأثر بالأمثلة وثبوت المعانى فيها بواسطتها، ولذلك عبر القرآن بقوله : ﴿ كن فيكون ﴾ (البقرة : 117، آل عمران،...)  عن نهاية القدرة، وعبر صلى الله عليه وسلم بقوله : ((قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن)) عن سرعة التقليب.

وقد أشرنا إلى حكمه ذلك في كتاب " قواعد العقائد " من ربع العبادات فلنرجع الآن إلى الغرض، فالمقصود أن تعريف توزع الدرجات والدركات على الحسنات والسيئات لا يمكن إلا بضرب المثال، فلنفهم من المثل الذي نضربه معناه لا صورته، فنقول : الناس في الآخرة ينقسمون أصنافا وتتفاوت درجاتهم ودركاتهم في السعادة والشقاوة تفاوتا لا يدخل تحت الحصر كما تفاوتوا في سعادة الدنيا وشقاوتها ولا تفارق الآخرة في هذا المعنى أصلا ألبته، فإن مدبر الملك والملكوت واحد لا شريك له، وسنته الصادرة عن إرادته الأزلية مطردة لا تبديل لها، إلا أنا إن عجزنا عن احصاء آحاد الدرجات فلا نعجز عن إحصاء الأجناس.

فنقول : الناس ينقسمون في الآخرة بالضرورة إلى أربعة : أقسام هالكين، ومعذبين، وناجين، وفائزين.

ومثاله في الدنيا أن يستولى ملك من الملوك على اقليم فيقتل بعضهم فهم الهالكون، ويعذب بعضهم مدة ولا يقتلهم فهم المعذبون، ويخلى بعضهم فهم الناجون، ويخلع على بعضهم فهم الفائزون، فان كان الملك عادلا لم يقسمهم كذلك إلا باستحقاق، فلا يقتل إلا جاحدا لاستحقاق الملك معاندا له في أصل الدولة، ولا يعذب الا من قصر في خدمته مع الاعتراف بملكه وعلو درجته، ولا يخلى إلا معترفا له برتبة الملك لكنه لم يقصر ليعذب ولم يخدم ليخلع عليه، ولا يخلع الا على من ابلى عمره في الخدمة والنصرة، ثم ينبغى أن تكون خلع الفائزين متفاوتة الدرجات بحسب درجاتهم في الخدمة، وإهلاك الهالكين إما تحقيقا بجز الرقبة أو تنكيلا بالمثلة بحسب درجاتهم في المعاندة، وتعذيب المعذبين في الخفة والشدة وطول المدة وقصرها واتحاد انواعها واختلاقها بحسب درجات تقصيرهم، فتقسم كل رتبة من هذه الرتب الى درجات لا تحصى ولا تنحصر، فكذلك فافهم أن الناس في الآخرة هكذا يتفاوتون، فمن هالك، ومن معذب مدة، ومن ناج يحل في دار السلامة، ومن فائز.

والفائزون ينقسمون الى من يحلون في جنات عدن أو جنات المأوى أو جنات الفردوس، والمعذبون ينقسمون إلى من يعذب قليلا وإلى من يعذب ألف سنة إلى سبعة آلف سنة، وذلك آخر من يخرج من النار كما ورد في الخبر[16] وكذلك الهالكون الآيسون من رحمة الله تتفاوت دركاتهم، وهذه الدرجات بحسب اختلاف الطاعات والمعاصى فلنذكر كيفية توزعها عليها.

(الرتبة الأولى) : وهى رتبة الهالكين ونعنى بالهالكين الآيسين من رحمة الله تعالى، إذ الذي قتله الملك في المثال الذي ضربناه آيس من رضا الملك وإكرامه فلا تغفل عن معانى المثال، وهذه الدرجة لا تكون إلا للجاحدين والمعرضين المتجردين للدنيا المكذبين بالله ورسله وكتبه، فإن السعادة الأخروية في القرب من الله والنظر إلى وجهه، وذلك لا ينال أصلا إلا بالمعرفة التى يعبر عنها بالإيمان والتصديق، والجاحدون هم المنكرون، والمكذبون هم الآيسون من رحمة الله تعالى أبد الآباد وهم الذين يكذبون برب العالمين وبأنبيائه المرسلين، إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لا محالة، وكل محجوب من محبوبه فمحول بينه وبين ما يشتهيه لا محالة، فهو لا محالة يكون مخترقا نار جهنم بنار الفراق، ولذلك قال العارفون : ليس خوفنا من نار جهنم، ولا رجاءونا للحور العين،  وإنما مطالبنا اللقاء، ومهربنا من الحجاب فقط.

وقالوا : من يعبد الله بعوض فهو لئيم، كأن يعبده لطلب جنته أو لخوف ناره، بل العارف يعبده لذاته فلا يطلب إلا ذاته فقط فأما الحور العين والفواكه فقد لا يشتهيها، وأما النار فقد لا يتقيها.

إذ نار الفراق إذا استولت ربما غلبت النار المحرقة للأجسام، فإن نار الفراق نار الله الموقدة التى تطلع على الأفئدة، ونار جهنم لا شغل لها إلا مع الأجسام : وألم الأجسام يستحقر مع ألم الفؤاد ولذلك قيل : وفي فؤاد المحب نـار جـوى... أحر نـار الجحيـم أبردهـا

ولا ينبغى أن تنكر هذا في عالم الآخرة إذ له نظير مشاهد في عالم الدنيا، فقد رؤى من غلب عليه الوجد فغدا على النار وعلى أصول القصب الجارحة القدم وهو لا يحس به لفرط غلبه ما في قلبه، وترى الغضبان يستولى عليه الغضب في القتال فتصيبه جراحات وهو لا يشعر بها في الحال لأن الغضب نار في القلب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الغضب قطعة من النار))[17] واحتراق الفؤاد أشد من احتراق الأجساد، والأشد يبطل الإحساس بالأضعف كما تراه، فليس الهلاك من النار والسيف إلا من حيث إنه يفرق بين جزءين يرتبط أحدهما بالآخر برابطة التأليف الممكن في الأجسام، فالذي يفرق بين القلب وبين محبوبه الذي يرتبط به برابطة تأليف أشد إحكاما من تأليف الأجسام، فهو أشد إيلاما إن كنت من أرباب البصائر وأرباب القلوب، ولا يبعد أن لا يدرك من لا قلب له شدة هذا الألم، ويستحقره بالإضافة إلى ألم الجسم، فالصبى لو خير بين ألم الحرمان على الكرة والصولجان وبين ألم الحرمان عن رتبة السلطان لم يحس بألم الحرمان عن رتبة السلطان أصلا، ولم يعد ذلك ألما وقال : العدو في الميدان مع الصولجان أحب إلى من ألف سرير للسلطان مع الجلوس عليه، بل من تغلبة شهوة البطن لو خير بين الهريسة والحلواء وبين فعل جميل يقهر به الأعداء ويفرح به الأصدقاء لآثر الهريسة والحلواء، وهذا كله لفقد المعنى الذي بوجوده يصير الجاه محبوبا، ووجود المعنى الذي بوجوده يصير الطعام لذيذا، وذلك لمن استرقته صفات البهائم والسباع، ولم تظهر فيه صفات الملائكة التى لا يناسبها ولا يلذها إلا القرب من رب العالمين ولا يؤلمها إلا البعد والحجاب، وكما لا يكون الذوق إلا في اللسان والسمع إلا في الآذان، فلا تكون هذه الصفة إلا في القلب فمن لا قلب له ليس له هذا الحس، كمن لا سمع له ولا بصر ليس له لذة الألحان وحسن الصور والألوان، وليس لكل إنسان قلب، ولو كان لما صح قوله تعالى : ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ﴾ (ق : 37) فجعل من لم يتذكر بالقرآن مفلسا من القلب، ولست أعنى بالقلب هذا الذي تكتنفه عظام الصدر، بل أعنى به السر الذي هو من عالم الأمر واللحم الذي هو من عالم الخلق عرشه والصدر كرسيه، وسائر الأعضاء عالمه ومملكته، ولله الخلق والأمر جميعا، ولكن ذلك السر الذي قال الله تعالى فيه :  ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ (الإسراء : 85) هو الأمير والملك لأن بين عالم الأمر وعالم الخلق ترتيبا وعالم الأمر أمير على عالم الخلق، وهو اللطيفة التى إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، من عرفها فقد عرف نفسه، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه، وعند ذلك يشم العبد مبادىء روائح المعنى المطوى تحت قوله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله خلق آدم على صورته)) ونظر بعين الرحمة الى الحاملين له على ظاهر لفظه، وإلى المتعسفين في طريق تأويله، وإن كانت رحمته للحاملين على اللفظ أكثر من رحمته للمتعسفين في التأويل، لأن الرحمة على قدر المصيبة، ومصيبة أولئك أكثر، وإن اشتركوا في مصيبة الحرمان من حقيقة الأمر، فالحقيقة فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وحكمته يختص بها من يشاء ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ﴾ (البقرة : 269) ولنعد إلى الغرض فقد أرخينا الطول وطولنا النفس في أمر هو أعلاى من علوم المعاملات التى نقصدها في هذا الكتاب، فقد ظهر أن رتبة الهلاك ليس إلا للجهال المكذبين، وشهادة ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا تدخل تحت الحصر فلذلك لم نوردها.

  (الرتبة الثانية) : رتبة المعذبين، وهذه رتبة من تحلى بأصل الإيمان ولكن قصر في الوفاء بمقتضاه فإن رأس الإيمان هو التوحيد : وهو أن لا يعبد إلا الله، ومن اتبع هواه فقد اتخذ إلهه هواه، فهو موحد بلسانه لا بالحقيقة، بل معنى قولك لا إله إلا الله معنى قوله تعالى : ﴿ قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ (الأنعام : 91) وهو أن تذر في بالكلية غير الله، ومعنى قوله تعالى : ﴿ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ (فصلت : 30، الأحقاف : 13) ولما كان الصراط المستقيم الذي لا يكمل التوحيد إلا بالاستقامة عليه أدق من الشعر وأخذ من السيف مثل الصراط الموصوف في الآخرة، فلا ينفك بشر عن ميل عن الاستقامة ولو في أمر يسير، إذ لا يخلو عن اتباع الهوى ولو في فعل قليل، وذلك قادح في كمال التوحيد بقدر ميله عن الصراط المستقيم، فذلك يقتضى لا محالة نقصانا في درجات القرب، ومع كل نقصان ناران : نار الفراق لذلك الكمال الفائت بالنقصان، ونار جهنم كما وصفها القرآن، فيكون كل مائل عن الصراط المستقيم معذبا مرتين من وجهين، ولكن شدة ذلك العذاب وخفته وتفاوته بحسب طول المدة إنما يكون بسبب أمرين، أحدهما : قوة الإيمان وضعفه. والثاني : كثرة اتباع الهوى وقلته، وإذ لا يخلو بشر في غالب الأمر عن واحد من الأمرين قال الله تعالى : ﴿ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ﴾ (مريم : 71، 72) ولذلك قال الخائفون من السلف : إنما خوفنا لأنا تيقنا أنا على النار واردون وشككنا فى النجاة، ولما روى الحسن الخبر الوارد فيمن يخرج من النار بعد ألف عام، وأنه ينادى يا حنان يا منان[18]، قال الحسن : يا ليتنى كنت ذلك الرجل.

واعلم أن فى الأخبار ما يدل على أن آخر من يخرج من النار بعد سبعة آلاف سنة، وأن الاختلاف في المدة بين اللحظة وبين سبعة آلاف سنة حتى قد يجوز بعضهم على النار كبرق خاطف ولا يكون له فيها لبث، وبين اللحظة وبين سبعة آلاف سنة درجات متفاوتة من اليوم والاسبوع والشهر وسائر المدد، وأن الاختلاف بالشدة لا نهاية لأعلاه، وأدناه التعذيب بالمناقشة في الحساب، كما أن الملك قد يعذب بعض المقصرين في الأعمال بالمناقشة في الحساب ثم يعفو، وقد يضرب بالسياط، وقد يعذب بنوع آخر من العذاب، ويتطرق إلى العذاب اختلاف ثالث في غير المدة والشدة وهو اختلاف الأنواع، إذ ليس من يعذب بمصادرة المال، فقط كمن يعذاب بأخذ المال وقتل الولد واستباحة الحريم وتعذيب الأقارب والضرب وقطع اللسان واليد والأنف والأذن وغيره، فهذه الاختلافات ثابتة في عذاب الآخرة دل عليها قواطع الشرع، وهى بحسب اختلاف قوة الإيمان وضعفه وكثرة الطاعات وقلتها، وكثرة السيئات وقلتها، أما شدة العذاب فبشدة قبح السيئات وكثرتها وأما كثرته فبكثرتها، وأما اختلاف أنواعه فباختلاف أنواع السيئات، وقد انكشف هذا لأرباب القلوب مع شواهد القرآن بنور الإيمان وهو المعنى بقوله تعالى : ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾  (فصلت : 46)، وبقوله تعالى : ﴿ اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ﴾ (غافر : 17)، وبقوله تعالى : ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ (النجم : 39)، وبقوله تعالى : ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره  *  ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ﴾ (الزلزلة : 7، 8)، إلى غير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة من كون العقاب والثواب جزاء على الأعمال، وكل ذلك بعدل لا ظلم فيه، وجانب العفو والرحمه أرجح، إذ قال تعالى فيما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم : ((سبقت رحمتى غضبى))[19]وقال تعالى : ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ﴾ (النساء : 40) فإذن هذه الأمور الكلية من ارتباط الدرجات، والدركات بالحسنات والسيئات معلومة بقواطع الشرع ونور المعرفة، فأما التفصيل فلا يعرف إلا ظنا ومستندة ظواهر الأخبار ونوع حدس يستمد من أنوار الاستبصار بعين الاعتبار، فنقول : كل من أحكم أصل الإيمان واجتنب جميع الكبائر وأحسن جميع الفرائض - أعنى الأركان الخمسة - ولم يكن منه إلا صغائر متفرقة لم يصر عليها، فيشبه أن يكون عذابه المناقشة في الحساب فقط.

فإنه إذا حوسب رجحت حسناته على سيئاته، إذ ورد في الأخبار أن الصلوات الخمسة والجمعة وصوم رمضان كفارات لما بينهن، وكذلك اجتناب الكبائر بحكم نص القرآن مكفرا للصغائر، وأقل درجات التكفير أن يدفع العذاب إن لم يدفع الحساب، وكل من هذا حالة فقد ثقلت موازينه، فينبغى أن يكون بعد ظهور الرجحان في الميزان وبعد الفراغ من الحساب في عيشة راضية، نعم التحاقه بأصحاب اليمين أو بالمقربين ونزوله في جنات عدن أو في الفردوس الأعلى، فكذلك يتبع أصناف الإيمان، لأن الإيمان إيمانان : تقليدي كإيمان العوام يصدقون بما يستمعون ويستمرون عليه. وإيمان كشفى يحصل بانشراح الصدر بنور الله حتى ينكشف فيه الوجود كله على ما هو عليه، فيتضح أن الكل إلى الله مرجعه ومصيره، إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وصفاته وأفعاله، فهذا الصنف هم المقربون النازلون في الفردوس الأعلى، وهم على غاية القرب من الملأ الأعلى،  وهم أيضا على أصناف : فمنهم السابقون ومنهم من دونهم، وتفاوتهم بحسب تفاوت معرفتهم بالله تعالى : ودرجات العارفين في المعرفة بالله تعالى لا تنحصر، إذ الإحاطة بكلمة جلال الله غير ممكنة وبحر المعرفة ليس له ساحل وعمق، وإنما يغوص فيه الغواصون بقدر قواهم وبقدر ما سبق لهم من الله تعالى في الأزل، فالطريق إلى الله تعالى لا نهاية لمنازله، فالسالكون سبيل الله لا نهاية لدرجاتهم. وأما المؤمن إيمانا تقليديا فمن أصحاب اليمين ودرجته دون درجة المقربين، وهم أيضا على درجات، فالأعلى من درجات أصحاب اليمين تقارب رتبته رتبة الأدنى من درجات المقربين، هذا حال من اجتنب كل الكبائر وأدى الفرائض كلها، أعنى الأركان الخمسة التى هى النطق بكلمة الشهادة باللسان والصلاة والزكاة والصوم والحج، فأما من ارتكب كبيرة أو كبائر أو أهمل بعض أركان الإسلام، فإن تاب توبة نصوحا قبل قرب الأجل التحق بمن لم يرتكب، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والثوب المغسول كالذي لم يتوسخ أصلا، وإن مات قبل التوبة فهذا أمر مخطر عند الموت، إذ ربما يكون موته على الإصرار سببا لتزلزل إيمانه فيختم له بسوء الخاتمة، لا سيما إذا كان إيمانه تقليديا، فإن التقليد وإن كان جزما فهو قابل للانحلال بأدنى شك وخيال، والعارف البصير أبعد أن يخاف عليه سوء الخاتمة وكلاهما إن ماتا على الإيمان يعذبان - إلا أن يعفو الله - عذابا يزيد على عذاب المناقشة في الحساب، وتكون كثرة العقاب من حيث المدة بحسب كثرة مدة الإصرار، ومن حيث الشدة بحسب قبح الكبائر، ومن حيث اختلاف النوع بحسب اختلاف أصناف السيئات، وعند انقضاء مدة العذاب ينزل البلة المقلدون في درجات أصحاب اليمين، والعارفون المستبصرون في أعلى عليين، ففي الخبر : ((آخر من يخرج من النار يعطى مثل الدنيا كلها عشرة أضعاف))[20] فلا تظن أن المراد به تقديره بالمساحة لأطراف الأجسام، كأن يقابل فرسخ بفرسخين أو عشرة بعشرين، فإن هذا جهل بطريق ضرب الأمثال، بل هذا كقول القائل : أخذ منه جملا وأعطاه عشرة أمثاله، وكان الجمل يساوى عشرة دنانير فأعطاه مائة دينار، فإن لم يفهم من المثل إلا المثل في الوزن والثقل فلا تكون مائة دينار لو وضعت فى كفه الميزان والجمل في الكفة الأخرى عشر عشيرة، بل هو موازنة معانى الأجسام وأرواحها دون أشخاصها، وهياكلها، فإن الجمل لا يقصد لثقله وطوله وعرضه ومساحته بل لماليته، فروحه المالية وجسمه اللحم والدم ومائة دينار عشرة أمثاله بالموازنة الروحانية لا بالموازنة الجسمانية، وهذا صادق عند من يعرف روح المالية من الذهب والفضة، بل لو أعطاه جوهرة وزنها مثقال وقيمتها مائة دينار، وقال : أعطيته عشرة أمثاله، كان صادقا، ولكن لا يدرك صدقه إلا الجوهريون، فإن روح الجوهرية لا تدرك بمجرد البصر، بل بفطنة أخرى وراء البصر فلذلك يكذب به الصبى بل القروى والبدوى ويقول : ما هذه الجوهرة إلا حجر وزنه مثقال ووزن الجمل ألف ألف مثقال فقد كذب في قوله : إنى أعطيته عشرة أمثاله، والكاذب بالتحقيق هو الصبى، ولكن لا سبيل الى تحقيق ذلك عنده إلا بأن ينتظر به البلوغ والكمال وأن يحصل في قلبه النور الذي يدرك به أرواح الجواهر وسائر الأموال، فعند ذلك ينكشف له الصدق، والعارف عاجز عن تفهيم المقلد القاصر صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الموازنة، إذ يقول صلى الله عليه وسلم : ((الجنة في السموات))[21] كما ورد في الأخبار والسموات من الدنيا فكيف يكون عشرة أمثال الدنيا في الدنيا، وهذا كما يعجز البالغ عن تفهيم الصبى تلك الموازنة، وكذلك تفهيم البدوى وكما أن الجوهرى مرحوم إذا بلى بالبدوى، والقروى في تفهيم تلك الموازنة، فالعارف مرحوم إذ يلى بالبليد الأبلة في تفهيم هذه الموازنة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ((ارحموا ثلاثة عالما بين الجهال، وغنى قوم افتقر، وعزيز قوم ذل)) [22] والأنبياء مرحومون بين الأمة بهذا السبب، ومقاساتهم لقصور عقول الأمة فتنة لهم وامتحان وابتلاء من الله وبلاء موكل بهم سبق بتوكيله القضاء الأزلى، وهو المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم : ((البلاء موكل بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل))[23] فلا تظنن أن البلاء بلاء أيوب عليه السلام وهو الذى ينزل بالبدن، فإن بلاء نوح عليه السلام أيضا من البلاء العظيم، إذ بلى بجماعة كان لا يزيدهم دعاؤه إلى الله إلا فرارا، ولذلك لما تأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام بعض الناس قال : ((رحم الله أخى موسى لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر))[24]، فإذن لا تخلو الأنبياء عن الابتلاء بالجاحدين ولا تخلو الأولياء والعلماء عن الابتلاء بالجاهلين، ولذلك قلما ينفك الاولياء عن ضروب من الإيذاء وأنواع البلاء بالإخراج من البلاد، والسعاية بهم الى السلاطين، والشهادة عليهم بالكفر والخروج عن الدين، وواجب أن يكون أهل المعرفة عند أهل الجهل من الكافرين، كما يجب ان يكون المعتاض عن الجمل الكبير جوهرة صغيرة عند الجاهلين من المبذرين المضيعين، فإذا عرفت هذه الدقائق فآمن بقوله عليه الصلاة والسلام : ((إنه يعطى آخر من يخرج من النار مثل الدنيا عشر مرات)) وإياك أن تقتصر بتصديقك على ما يدركه البصر والحواس فقط فتكون حمارا برجلين، لأن الحمار يشاركك في الحواس الخمس، وإنما أنت مفارق للحمار بسر إلهى عرض على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنه وأشفقن منه فإدراك ما يخرج عن عالم الحواس الخمس لا يصادف إلا في عالم ذلك السر الذى فارقت به الحمار وسائر البهائم فمن ذهل عن ذلك وعطله وأهمله وقنع بدرجة البهائم ولم يجاوز المحسوسات فهو الذى أهلك نفسه بتعطيلها ونسيها بالإعراض عنها، فلا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فكل من لم يعرف إلا المدرك بالحواس فقد نسى الله، إذ ليس ذات الله مدركا في هذا العالم بالحواس الخمس، وكل من نسى الله أنساه الله - لا محالة - نفسه ونزل إلى رتبة البهائم، وترك الترقى إلى الأفق الأعلى، وخان في الأمانة التى أودعه الله تعالى وأنعم عليه كافرا لأنعمه ومتعرضا لنقمته إلا انه أسوأ حالا من البهيمة، فإن البهيمة تتخلص بالموت، وأما هذا فعنده أمانة سترجع لا محالة إلى مودعها، فإليه مرجع الأمانة ومصيرها، وتلك الأمانة كالشمس الزاهرة، وإنما هبطت إلى هذه القالب الفانى وغربت فيه، وستطلع هذه الشمس عند خراب هذا القالب من مغربها وتعود إلى بارئها وخالقها إما مظلمة منكسفة وإما زاهرة مشرقة، والزاهرة المشرقة غير محجوبة عن حضرة الربوبية، والمظلمة أيضا راجعة إلى الحضرة، إذ المرجع والمصير للكل إليه إلا أنها ناكسة رأسها عن جهة أعلى عليين إلى جهة أسفل سافلين، ولذلك قال تعالى : ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ﴾ (السجدة : 12) فبين أنهم عند ربهم إلا أنهم منكوسون قد انقلبت وجوههم إلى أقفيتهم وانتكست رءوسهم عن جهة فوق إلى جهة أسفل، وذلك حكم الله فيمن حرمه توفيقه، ولم يهده طريقه، فنعوذ بالله من الضلال والنزول إلى منازل الجهال، فهذا حكم انقسام من يخرج من النار ويعطى مثل عشرة أمثال الدنيا أو أكثر، ولا يخرج من النار إلا موحد، ولست أعنى بالتوحيد أن يقول بلسانه : لا إله إلا الله، فإن اللسان من عالم الملك والشهادة فلا ينفع إلا في عالم الملك فيدفع السيف عن رقبته وأيدي الغانمين عن ماله، ومدة الرقبة والمال مدة الحياة، فحيث لا تبقى رقبة ولا مال لا ينفع القول باللسان، وإنما ينفع الصدق فى التوحيد، وكمال التوحيد أن لا يرى الأمور كلها إلا من الله وعلامته أن لا يغضب على أحد من الخلق بما يجرى عليه، إذ لا يرى الوسائط، وإنما يرى مسبب الأسباب كما سيأتى تحقيقه فى التوكل، وهذا التوحيد متفاوت، فمن الناس من له من التوحيد مثل الجبال، ومنهم من له مثقال، ومنهم من له مقدار خردلة وذرة، فمن في قلبه مثقال دينار من إيمان فهو أول من يخرج من النار. وفي الخبر يقال : ((أخرجوا من النار من في قلبه مثقال دينار من إيمان))[25]، وآخر من يخرج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان وما بين المثقال والذرة على قدر تفاوت درجاتهم يخرجون بين طبقة المثقال وبين طبقة الذرة والموازنة بالمثقال والذرة على سبيل ضرب المثل كما ذكرنا في الموازنة بين أعيان الأموال وبين النقود، وأكثر ما يدخل الموحدين النار مظالم العباد، فديوان العباد هو الديوان الذى لا يترك، فأما بقية السيئات فيتسارع العفو والتكفير إليها، ففى الأثر :  ((إن العبد ليوقف بين يدي الله تعالى وله من الحسنات أمثال الجبال لو سلمت له لكان من أهل الجنة، فيقوم أصحاب المظالم فيكون قد سب عرض هذا، وأخذ مال هذا، وضرب هذا، فيقضى من حسناته حتى لا تبقى له حسنة، فتقول الملائكة : يا ربنا هذا قد فنيت حسناته وبقى طالبون كثير، فيقول الله تعالى : ألقوا من سيئاتهم على سيئاته وصكوا له صكا إلى النار)) وكما يهلك هو بسيئة غيره بطريق القصاص، فكذلك ينجو المظلوم بحسنة الظالم، إذ ينقل إليه عوضا عما ظلم به، وقد حكى عن ابن الجلاء أن بعض إخوانه اغتابه ثم أرسل إليه يستحله فقال : لا أفعل، ليس في صحيفتي حسنة أفضل منها فكيف أمحوها، وقال هو وغيره : ذنوب إخوانى من حسناتى أريد أن أزين بها صحيفتي، فهذا ما أردنا أن نذكره من اختلاف العباد فى المعاد في درجات السعادة والشقاوة، وكل ذلك حكم بظاهر أسباب يضاهى حكم الطبيب على مريض بأنه يموت لا محالة ولا يقبل العلاج، وعلى مريض آخر بأن عارضة خفيف وعلاجه هين، فإن ذلك ظن يصيب في أكثر الأحوال، ولكن قد تثوب إلى المشرف على الهلاك نفسه من حيث لا يشعر الطبيب، وقد يساق إلى ذى العارض الخفيف أجله من حيث لا يطلع عليه، وذلك من أسرار الله تعالى الخفية في أرواح الأحياء وغموض الأسباب التى رتبها مسبب الأسباب بقدر معلوم إذ ليس في قوة البشر الوقوف على كنهها، فكذلك النجاة والفوز في الآخرة لهما أسباب خفية ليس في قوة البشر الاطلاع عليها، يعبر عن ذلك السبب الخفى المفضى إلى النجاة بالعفو والرضا، وعما يفضى إلى الهلاك بالغضب والانتقام، ووراء ذلك سر المشيئة الإلهية الأزلية التى لا يطلع الخلق عليها، فلذلك يجب علينا أن نجوز العفو عن المعاصى وإن كثرت سيئاته الظاهرة والغضب على المطيع وإن كثرت طاعاته الظاهرة، فإن الاعتماد على التقوى، والتقوى في القلب، وهو اغمض من أن يطلع عليه صاحبه فكيف غيره، ولكن قد انكشف لأرباب القلوب أنه لا عفو عن عبد الا بسبب خفى فيه يقتضى العفو، ولا غضب إلا بسبب باطن يقتضى البعد عن الله تعالى، ولو لا ذلك لم يكن العفو والغضب جزاء على الأعمال والأوصاف، ولو لم يكن جزاء لم يكن عدلا، ولو لم يكن عدلا لم يصح قوله تعالى : ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ (فصلت : 46)، ولا قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ (النساء : 40) وكل ذلك صحيح فليس للإنسان إلا ما سعى، وسعيه هو الذى يرى، وكل نفس بما كسبت رهينة، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، ولما غيروا ما بأنفسهم غير الله ما بهم، تحقيقا لقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ (الرعد : 11) وهذا كله قد انكشف لأرباب القلوب انكشافا أوضح من المشاهدة بالبصر، إذ للبصر يمكن الغلط فيه، إذ قد يرى البعيد قريبا والكبير صغيرا ومشاهدة القلب لا يمكن الغلط فيها، وإنما الشأن في انفتاح بصيرة القلب، وإلا فما يرى بها بعد الانفتاح فلا يتصور فيه الكذب، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ (النجم : 11).

(الرتبة الثالثة) : رتبة الناجين، وأعنى بالنجاة السلامة فقط دون السعادة والفوز، وهم قوم لم يخدموا فيخلع عليهم ولم يقصروا فيعذبوا، ويشبه أن يكون هذا حال المجانين والصبيان من الكفار والمعتوهين والذين لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، وعاشوا على البله وعدم المعرفة فلم يكن لهم معرفة ولا جحود ولا طاعة ولا معصية فلا وسيلة تقربهم ولا جناية تبعدهم، فما هم من أهل الجنة ولا من أهل النار بل ينزلون في منزلة بين المنزلتين ومقام بين المقامين عبر الشرع عنه بالأعراف، وحلول طائفة من الخلق حديث حلول طائفة من الخلق[26] فيه معلوم يقينا من الآيات والأخبار ومن أنوار الاعتبار، فأما الحكم على العين كالحكم مثلا بأن الصبيان منهم، فهذا مظنون وليس بمستيقن، والاطلاع عليه تحقيقا في عالم النبوة، ويبعد أن ترتقي إليه رتبة الأولياء والعلماء، والأخبار في حق الصبيان أيضا متعارضة. حتى قالت عائشة رضى الله عنها لما مات بعض الصبيان : عصفور من عصافير الجنة، فأنكر ذلك الرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ((وما يدريك ؟))[27] فإذن الإشكال والاشتباه أغلب فى هذا المقام.

  (الرتبة الرابعة) : رتبة الفائزين، وهم العارفون دون المقلدين، وهم المقربون السابقون، فإن المقلد وإن كان له فوز على الجملة بمقام في الجنة فهو من أصحاب اليمين، وهؤلاء هم المقربون وما يلقى هؤلاء يجاوز حد البيان، والقدر الممكن ذكره ما فصله القرآن، فليس بعد بيان الله بيان، والذى لا يمكن التعبير عنه فى هذا العالم فهو الذى أجمله قوله تعالى : ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ﴾ (السجدة : 17) وقوله عز وجل : ((أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر عل قلب بشر))[28] والعارفون مطلبهم تلك الحالة التى لا يتصور أن تخطر على قلب بشر في هذا العالم، وأما الحور والقصور والفاكهة واللبن والعسل والخمر والحلى والأساور فإنهم لا يحرصون عليها ولو أعطوها لم يقنعوا بها، ولا يطلبون إلا لذة النظر إلى وجه الله تعالى الكريم فهى غاية السعادات ونهاية اللذات، ولذلك قيل لرابعة العدوية رحمة الله عليها : كيف رغبتك في الجنة ؟ فقالت : الجار ثم الدار. فهؤلاء قوم شغلهم حب رب الدار عن الدار وزينتها، بل عن كل شىء سواه حتى عن أنفسهم ومثالهم مثال العاشق المستهتر بمعشوقة المستوفى همه بالنظر إلى وجهه والفكر فيه، فإنه فى الحال الاستغراق غافل عن نفسه لا يحس بما يصيبه في بدنه، ويعبر على هذه الحالة بأنه فنى عن نفسه، ومعناه أنه صار مستغرقا بغيره وصارت همومه هما واحدا وهو محبوبه ولم يبق فيه متسع لغير محبوبه، حتى يلتفت إليه لانفسه ولا غير نفسه، وهذه الحالة هى التى توصل في الآخرة إلى قرة عين لا يتصور أن تخطر في هذا العالم على قلب بشر، كما لا يتصور أن تخطر صورة الألوان والألحان على قلب الأصم والأكمه، إلا أن يرفع الحجاب عن سمعه وبصره، فعند ذلك يدرك حالة ويعلم قطعا أنه لم يتصور أن تخطر بباله قبل ذلك صورته، فالدنيا حجاب على التحقيق وبرفعه ينكشف الغطاء، فعند ذلك يدرك ذوق الطيبة ﴿ وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون ﴾ (العنكبوت : 64). فهذا القدر كاف في بيان توزع الدرجات على الحسنات، والله الموفق بلطفه.


بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب

اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب : منها الإصرار والمواظبة، ولذلك قيل : لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار. فكبيرة واحدة تنصرم ولا يتبعها مثلها لو تصور ذلك كان العفو عنها أرجى من صغيرة يواظب العبد عليها، ومثال ذلك قطرات من الماء تقع على الحجر على توال فتؤثر فيه وذلك القدر من الماء لو صب عليه دفعة واحدة لم يؤثر، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خير الأعمال أدومها وإن قل))[29] والأشياء تستبان بأضداها، وإن كان النافع من العمل هو الدائم وإن قل فالكثير المنصرم قليل النفع فى تنوير القلب وتطهيره فكذلك القليل من السيئات إذا دام عظم تأثيره في إظلام القلب، إلا أن الكبيرة قلما يتصور الهجوم عليها بغتة من غير سوابق ولو احق من جملة الصغائر فقلما يزنى الزانى بغتة من غير مراودة ومقدمات، وقلما يقتل بغتة من غير مشاحنة سابقة ومعاداة، فكل كبيرة تكتنفها صغائر سابقة ولا حقة ولو تصورت كبيرة وحدها بغتة ولم يتفق إليها عود ربما كان العفو فيها أرجى من صغيرة واطب الإنسان عليها عمره.

ومنها أن يستصغر الذنب، فإن الذنب كلها استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله تعالى، لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه وكراهيته له، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به، واستصغاره يصدر عن الألف به، وذلك يوجب شدة الأثر في القلب، والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات، والمحذور تسويده بالسيئات، ولذلك لا يؤاخذ بما يجرى عليه في الغفلة، فإن القلب لا يتأثر بما يجرى في الغفلة، وقد جاء في الخبر : ((المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره))[30]، وقال بعضهم : الذنب الذى لا يغفر قول العبد ليت كل ذنب عملته مثل هذا، وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال الله، فإذا نظر الى عظم من عصى به رأى الصغيرة كبيرة، وقد أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه : لا تنظر إلى قلة الهدية وانظر إلى عظم مهديها، ولا تنظر الى صغر الخطيئة وانظر الى كبرياء من واجهته بها، وبهذا الاعتبار قال بعض العارفين : لا صغيرة، بل كل مخالفة فهى كبيرة، نوكذلك قال بعض الصحابة رضى الله عنهم للتابعين : وإنكم لتعملون أعمالا هى في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات.

إذ كانت معرفة الصحابة بجلال الله أتم فكانت الصغائر عندهم بالإضافة الى جلال الله تعالى من الكبائر، وبهذا السبب يعظم من العالم ما لا يعظم من الجاهل، ويتجاوز عن العامى في أمور لا يتجاوز في أمثالها عن العارف، لأن الذنب والمخالفة يكبر بقدر معرفة المخالف، ومنها السرور بالصغيرة والفرح والتبجح بها واعتداد التمكن من ذلك نعمة والغفلة، عن كونه سبب الشقاوة، فكلما غلبت حلاوة الصغيرة عند العبد كبرت الصغيرة وعظم أثرها في تسويد قلبه، حتى ان من المذنبين من يتمدح بذنبه، ويتبجح به لشدة فرحه بمقارفته إياه، كما يقول : أما رأيتنى كيف مزقت عرضه ؟ ويقول المناظر في مناظرته : أما رأيتنى كيف فضحته ؟ وكيف ذكرت مساوية حتى أخجلته ؟ وكيف استخففت به ؟ وكيف لبست عليه ؟ ويقول المعامل في التجارة : أما رأيت كيف روجت عليه الزائف ؟ وكيف خدعته ؟ وكيف غبنته في ماله ؟ وكيف استحمقته ؟ فهذا وأمثاله تكبر به الصغائر، فإن الذنوب مهلكات، وإذا دفع العبد إليها وظفر الشيطان به في الحمل عليها فينبغى ان يكون في مصيبة وتأسف بسبب غلبة العدو عليه وبسبب بعده من الله تعالى، فالمريض الذى يفرح بأن ينكسر إناؤه الذى فيه دواؤه حتى يتخلص من ألم شربه لا يرجى شفاؤه، ومنها أن يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه وإمهاله إياه ولا يدرى أنه إنما يمهل مقتا ليزداد بالإمهال إثما، فيظن أن تمكنه من المعاصى عناية من الله تعالى به، فيكون ذلك لأمنه من مكر الله وجهله بمكامن الغرور بالله، كما قال تعالى : ﴿ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير ﴾ (المجادلة : 8)  ومنها أن يأتى الذنب ويظهره بأن يذكره بعد إتيانه أو يأتيه في مشهد غيره فإن ذلك جناية منه على ستر الله الذى سدله عليه وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه ذنبه أو أشهده فعله، فهما جنايتان انضمتا الى جنايته فغلظت به، فإن انضاف الى ذلك الترغيب للغير فيه والحمل عليه وتهيئة الأسباب له صارت جناية رابعه وتفاحش الأمر، وفى الخبر : ((كل الناس معافى إلا المجاهرين يبيت أحدهم على ذنب قد ستره الله عليه فيصبح فيكشف ستر الله ويتحدث بذنبه))[31]وهذا لأن من صفات الله ونعمه أنه يظهر الجميل ويستر القبيح ولا يهتك الستر.

فالإظهار كفران لهذه النعمة. وقال بعضهم : لا تذنب فإن كان ولا بد فلا ترغب غيرك فيه فتذنب ذنبين، ولذلك قال تعالى : ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ﴾ (التوبة : 67) وقال بعض السلف : ما انتهك المرء من أخيه حرمه أعظم من أن يساعده على معصية ثم يهونها عليه.

ومنها أن يكون المذنب عالما يقتدى به فإذا فعله بحيث يرى ذلك منه كبر ذنبه كلبس العالم الإبريسم وركوبه مراكب الذهب، وأخذه مال الشبهة من أموال السلاطين، ودخوله على السلاطين وتردده عليهم ومساعدته إياهم بترك الإنكار عليهم وإطلاق اللسان فى الأعراض وتعديه باللسان في المناظرة وقصده الاستخفاف واشتغاله من العلوم بما لا يقصد منه إلا الجاه كعلم الجدل والمناظرة. فهذه ذنوب يتبع العالم عليها فيموت العالم ويبقى شره مستطيرا فى العالم آماد متطاولة، فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه وفى الخبر : ((من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا))[32] وقال تعالى : ﴿ ونكتب ما قدموا وآثارهم ﴾ (يس : 12)  والآثار ما يلحق من الأعمال بعد انقضاء العمل والعامل. وقال ابن عباس : ويل للعالم من الاتباع، يزل زلة فيرجع عنها ويحملها الناس فيذهبون بها في الآفاق.

وقال بعضهم : مثل زلة العالم مثل انكسار السفينة تغرق ويغرق أهلها.

وفى الإسرائيليات : أن عالما كان يضل الناس بالبدعة ثم أدركته توبة فعمل فى الإصلاح دهرا، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم : قل له : إن ذنبك لو كان فيما بينى وبينك لغفرته لك ولكن كيف بمن أضللت من عبادي فأدخلتهم النار، فبهذا يتضح أن أمر العلماء مخطر فعليهم وظيفتان : إحداهما ترك الذنب، والأخرى إخفاءه، وكما تتضاعف أوزارهم على الذنوب فكذلك يتضاعف ثوابهم على الحسنات إذا أتبعوا، فإذا ترك التجمل والميل الى الدنيا وقنع منها باليسير، ومن الطعام بالقوت، ومن الكسوة بالخلق، فيتبع عليه ويقتدي به العلماء والعوام فيكون له مثل ثوابهم، وإن مال الى التجمل مالت طباع من دونه الى التشبه به ولا يقدرون على التجمل إلا بخدمة السلاطين وجمع الحطام من الحرام، ويكون هو السبب في جميع ذلك، فحركات العلماء في طورى الزيادة والنقصان، تتضاعف آثارها أما بالربح، وإما بالخسران.

وهذا القدر كاف فى تفاصيل الذنوب التى التوبة توبة عنها.


 

1 السكنجبين : مركب من عسل وخل.

2 حديث ((الدواوين ثلاثة ديوان يغفر... الحديث)) أخرجه أحمد والحاكم وصححه من حديث عائشة، وفيه صدقه بن موسى الدقيقىضعفه ابن معين وغيره، وله شاهد من حديث سلمان، رواه الطبراني. {ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (3022)}

3 حديث ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة تكفر ما بينهن ان اجتنبت الكبائر)) رواه مسلم من حديث أبى هريرة.

4 حديث عبد الله بن عمرو ((الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمن الغموس)) رواه البخاري.

5 الأخبار الواردة في الكبائر : حكى المصنف عن أبي طالب المكى أنه قال : الكبائر سبع عشرة جميعها من جملة الأخبار، وجملة ما اجتمع من قول ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وغيرهم:  الشرك بالله، والإصرار على معصيته، والقنوط من رحمته، والأمن من مكره، وشهادة الزور، وقذف المحصن، واليمين الغموس، والسحر، وشرب الخمر، والمسكر، وأكل مال اليتيم ظلما،   وأكل الربا، والزنا، واللواط، والقتل، والسرقة، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين. انتهى. وسأذكر ما ورد منها مرفوعا، وقد تقدم أربعة منها في حديث عبد الله بن عمرو. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ((اجتنبوا السبع الموبقات)) قالوا : يا رسول الله وما هى ؟ قال:  الشرك بالله والسحر وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات)) ولهما من حديث أبى بكر : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال : الشرك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور أو قال قول الزور)) ولهما من حديث أنس ((سئل عن الكبائر قال : الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين)) وقال : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قال : قول الزور أو قال شهادة الزور)). ولهما من حديث ابن مسعود : ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أى الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت :  ثم أى ؟ قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت : ثم أى ؟  قال : أن تزانى حليلة جارك)). وللطبرانى من حديث سلمة بن قيس  : ((إنما هى أربع : لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا)) وفى الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ((بايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا)) وفى الأوسط للطبرانى من حديث ابن عباس ((الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر)) وفيه موقوفا على عبد الله بن عمرو : ((أعظم الكبائر شرب الخمر)) وكلاهما ضعيف. وللبزار من حديث ابن عباس بإسناد حسن : أن رجلا قال : يا رسول الله ما الكبائر ؟ قال : ((الشرك بالله والإياس من روح الله والقنوط من رحمة الله)) وله من حديث بريدة ((أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين ومنع فضل الماء ومنع الفحل)) وفيه صالح ابن حبان ضعفه ابن معين والنسائى وغيرهما، وله من حديث أبى هريرة ((الكبائر أولهن الاشراك بالله)) وفيه ((والانتقال إلى الأعراب بعد هجرته)) وفيه خالد بن يوسف السمين ضعيف، وللطبراني في الكبير من حديث سهل بن أبى حثمة في الكبائر ((والتعرب بعد الهجرة)) وفيه ابن لهيعة وله في الأوسط من حديث أبى سعيد الخدري ((الكبائر سبع)) وفيه ((والرجوع إلى الأعرابية بعد الهجرة)) وفيه أبو بلال الأشجرى ضعفه الدارقطنى، وللحاكم من حديث عبيد بن عمير عن أبيه ((الكبائر تسع)) فذكر منها وجملة ما اجتمع من قول ابن عباس وابن مسعود وابن عمر ((واستحلال البيت الحرام)) وللطبرانى من حديث واثلة ((إن من أكبر الكبائر أن يقول الرجل على ما لم أقل)) وله أيضا من حديثه ((إن من أكبر الكبائر أن ينتفى الرجل من ولده)) ولمسلم من حديث جابر : ((بين الرجل وبين الشرك - أو الكفر - ترك الصلاة)) ولمسلم من حديث عبد الله بن عمرو ((من الكبائر شتم الرجل والديه)) ولأبى داود من حديث سعيد بن زيد ((من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق)) وفي الصحيحين من حديث ابن عباس : ((أنه صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال : إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير وإنه الكبير أما أحدهما فكان يمشى بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله)). الحديث. ولأحمد في هذه القصة من حديث أبي بكرة ((أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس)) الحديث. ولأبى داود والترمذي من حديث أنس ((عرضت على ذنوب أمتى فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها)) سكت عليه أبو داود واستغر به البخاري والترمذي. وروى ابن أبى شيبة في التوبة من حديث ابن عباس ((لا صغيرة مع إصرار)) وفيه أبو شيبة الخراسانى، والحديث منكر يعرف به. وأما الموقوفات فروى الطبرانى والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال : الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمه الله واليأس من روح الله. وروى البيهقي فيه عن ابن عباس قال : الكبائر الإشراك بالله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله وعقوق الوالدين وقتل النفس التى حرم الله وقذف المحصنات وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف وأكل الربا والسحر والزنا واليمين الغموس الفاجرة والغلول ومنع الزكاة وشهادة الزور وكتمان الشهادة وشرب الخمر وترك الصلاة متعمدا وأشياء مما فرضها الله ونقض العهد وقطيعة الرحم. وروى ابن أبى الدنيا في التوبة عن ابن عباس : كل ذنب أصر عليه العبد كبيرة. وفيه الربيع بن صبيح مختلف فيه. وروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس عن أنس قوله : لا صغيرة مع الإصرار. وإسناده جيد فقد اجتمع من المرفوعات، والموقوفات ثلاثة وثلاثون أو اثنان وثلاثون إلا أن بعضها لا يصح إسناده كما تقدم وإنما ذكرت الموقوفات حتى يعلم ما ورد في المرفوع وما ورد في الموقوف وللبيهقي في الشعب عن ابن عباس أنه قيل له : الكبائر سبع فقال : هى إلى السبعين أقرب. وروى البيهقي أيضا فيه عن ابن عباس قال : كل ما نهى الله عنه كبيرة. والله اعلم.

6 حديث ((من الكبائر السبتان بالسبة، ومن الكبائر استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم)) عزاه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس لأحمد وأبى داود من حديث سعيد بن زيد، والذي عندهما من حديثه ((من أربى الربا استطالة الرجل في عرض المسلم بغير حق)) كما تقدم.

7 حديث أبى سعيد الخدري وغيره من الصحابة : ((إنكم تعملون أعمالا هى أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر)) أخرجه أحمد والبزار بسند صحيح، وقال : ((من الموبقات)) بدل الكبائر. ورواه البخاري من حديث أنس وأحمد والحاكم من حديث عبادة بن قرص وقال : صحيح الاسناد.

 8 حديث : ((ثلاث من الكبائر)) أخرجه الشيخان من حديث أبى بكرة : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر – ثلاث – الحديث)) وقد تقدم.

9 حديث : ((سبع من الكبائر)) رواه الطبرانى في الأوسط من حديث أبى سعيد : ((الكبائر سبع)) وقد تقدم، وله في الكبير من حديث عبد الله بن عمر : ((من صلى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر... الحديث)) ثم عدهن سبعا، وتقدم عن الصحيحين حديث أبى هريرة : ((اجتنبوا السبع الموبقات)).

10 حديث : ((الدنيا مزرعة الآخرة)) لم أجده بهذا اللفظ مرفوعا، وروى العقيلي في الضعفاء، وأبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق من حديث طارق بن أشيم ((نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته... الحديث)) وإسناده ضعيف.

11 حديث ((الصلاة إلى الصلاة كفارة، ورمضان إلى رمضان كفارة إلا من ثلاث : إشراك بالله، وترك السنة، ونكث الصفقة...)) الحديث. أخرجه الحاكم من حديث أبى هريرة نحوه وقال : صحيح الإسناد. {أخرجه أحمد (2 / 229)، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط : صحيح دون قوله : ((إلا من ثلات :...))إلى آخر الحديث}.

12 حديث ((الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)) لم أجده مرفوعا، وإنما يعزى إلى على بن أبى طالب.

13 حديث : ((قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن)) تقدم.

14 حديث : ((إن الله خلق آدم على صورته)) تقدم.

15 حديث : ((يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح... الحديث)) متفق عليه من حديث أبى سعيد.

16 حديث ((إان آخر من يخرج من النار يعذب سبعة آلأف سنة)) أخرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبى هريرة في بسند ضعيف في حديث قال فيه : وأطولهم مكثا فيه مثل الدنيا من يوم خلقت إلى يوم القيامة وذلك سبعة آلاف سنة.

17 حديث ((لاالغضب قطعة من النار)) أخرجه الترمذي من حديث أبى سعيد نحوه، وقد تقدم. {ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (385)}

18 حديث ((من يخرج من النار بعد ألف عام، أنه ينادى يا حنان يا منان)) أخرجه أحمد وأبو يعلي من رواية أبى ظلال القسملى عن أنس، وأبو ظلال ضعيف، واسمه هلال بن ميمون. }ذكره الألباني في الضعيفة (1249)، وقاله : ضعيف جدا.{

19 حديث ((سبقت رحمتى غضبي)) أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة.

20 حديث ((إن آخر من يخرج من النار يعطى مثل الدنيا كلها عشرة أضعاف)) متفق عليه من حديث ابن مسعود.

21  حديث ((كون الجنة في السموات)) أخرجه البخاري من حديث أبى هريرة في أثناء حديث فيه : ((فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن)).

22 حديث ((ارحموا ثلاثة عالما بين الجهال... الحديث)) أخرجه ابن حبان في الضعفاء من رواية عيسى بن طهمان عن أنس، وعيسى ضعيف، ورواه فيه من حديث ابن عباس إلا أنه قال : ((عالم تلاعب به الصبيان)) وفيه أبو البحترى. واسمه وهب بن وهب أحد الكذابين. }ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (1 / 236)، وقال الذهبي في التلخيص (137) فيه وهب بن وهب متهم (أي متهم بالكذب){

23  حديث ((البلاء موكل بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل)) أخرجه الترمذي وصححه، والنسائى في الكبرى، وابن ماجه من حديث سعد بن أبى وقاص وقال : قلت : يا رسول الله أى الناس أشد بلاء ؟ فذكره دون ذكر الأولياء، وللطبرانى من حديث فاطمة : ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون... الحديث))

24 حديث ((رحم الله أخى موسى لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر)) أخرجه البخاري من حديث ابن مسعود.

25 حديث ((أخرجوا من النار من في قلبه مثقال دينار من إيمان)) الحديث تقدم.

26 حديث حلول طائفة من الخلق الأعراف : أخرجه البزار من حديث أبى سعيد الخدري : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال : ((هم رجال قتلوا في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار ومنعتهم المعصيبة أن يدخلوا الجنة، وهم على سور بين الجنة والنار... الحديث)) وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. ورواه الطبرانى من رواية فيه معلوم يقينا من الآيات والأخبار ومن أبى معشر عن يحيى بن شبل عن عمر بن عبد الرحمن المدنى عن أبيه مختصرا ؛ وابو معشر تجيح السندى ضعيف، ويحيى بن شبل لا يعرف. وللحاكم عن حذيفة قال : ((أصحاب الأعراف قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقصرت سيئاتهم من الجنة... الحديث)) وقال : صحيح على شرط الشيخين. وروى الثعلبى عن ابن عباس قال : ((الأعراف موضع عال في الصراط عليه العباس وحمزة وعلى وجعفر... الحديث))، هذا كذب موضوع وفيه جماعة من الكذابين.

27 حديث ((عائشة أنها قالت لما مات بعض الصبيان : عصفور من عصافير الجنة، فانكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ما يدريك ؟)) رواه مسلم، قال المصنف : والأخبار في حق الصبيان متعارضة. قلت : روى البخارى من حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه : ((وأما الرجل الطويل الذى في الروضة فإبراهيم عليه السلام وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة، فقيل : يا رسول الله وأولاد المشركين ؟ قال : وأولاد المشركين)) وللطبرانى من حديثه : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال : ((هم خدمة أهل الجنة)) وفيه عباد بن منصور الناجى قاضى البصرة، وهو ضعيف يروية عن عيسى ابن شعيب، وقد ضعفه ابن حبان. وللنسائى من حديث الأسود بن سريع، كنا في غزاة لنا... الحديث في قتلى الذرية، وفيه : ((ألا إن خياركم أبناء المشركين)) ثم قال : ((لا تقتلوا ذرية وكل نسمة تولد على الفطرة... الحديث)) وإسناده صحيح، وفي الصحيحين من حديث أبى هريرة ((كل مولود يولد على الفطرة... الحديث)) وفى رواية لأحمد ((ليس مولود يولد إلا على هذه الملة)) ولأبي داود في آخر الحديث : يا رسول الله فرأيت من يموت وهو صغير ؟ فقال : ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) وفى الصحيحين من حديث ابن عباس : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال : ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) وللطبرانى من حديث ثابت بن الحارث الأنصاري : كانت يهودى إذا هلك لهم صبى صغير قالوا : هو صديق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((كذبت يهود، ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقى أو سعيد... الحديث)) وفيه عبد الله بن لهيعة، ولأبى داود من حديث ابن مسعود ((الوائدة والموءودة في النار)) وله من حديث عائشة : قلت : يا رسول الله ذرارى المؤمنين ؟ فقال : ((مع آبائهم)) قلت : بلا عمل ؟ قال : ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) قلت : فذراري المشركي ن؟ قال : ((مع آبائهم)) قلت : بلا عمل ؟ قال : ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) وللطبرانى من حديث خديجة، قلت : يا رسول الله أين أطفالى منك ؟ قال : ((في الجنة)) قلت : بلا عمل ؟ قال : ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) قلت : أطفالى قبلك ؟ قال : ((في النار)) قلت : بلا عمل ؟ قال : ((لقد علم الله ما كانوا عاملين)) وإسناده منقطع بين عبد الله بن الحارث وخديجة، وفى الصحيحين من حديث الصعب بن جثامة في أولاد المشركين ((هم من آبائهم)) وفى رواية ((هم منهم)).

28  لم يذكره العراقي، وأخرجه البخاري (3244)، ومسلم (2824) من حديث أبي هريرة.

29 حديث ((خير الأعمال أدومها وإن قل)) متفق عليه من حديث عائشة بلفظ : ((أحب)) وقد تقدم.

30 حديث ((المؤمن يرى دنبه كالجبل فوقه... الحديث)) أخرجه البخارى من رواية الحارث بن سويد قال : حدثنا عبد الله ابن مسعود حديثين : أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر عن نفسه، فذكر هذا وحديث ((لله أفرح بتوبة العبد)) ولم يبين المرفوع من الموقوف، وقد رواه البيهقى في الشعب من هذا. {ذكر النووي أن المرفوع هو ((لله أفرح بتوبة عبده...))، والموقوف هو ((المؤمن يرى ذنوبه...))، ووقع في صحيح مسلم (2744) ما يشهد بهذا}

31  حديث ((كل الناس معافى إلا المجاهرين... الحديث)) متفق عليه من حديث أبى هريرة بلفظ ((كل أمتى)) وقد تقدم.

32  حديث ((من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها... الحديث)) اخرجه مسلم من حديث جرير بن عبد الله، وقد تقدم فى آداب الكسب.