تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

الركن الثالث

في تمام التوبة وشروطها ودوامها إلى آخر العمر


قد ذكرنا ان التوبة عبارة عن ندم يورث عزما وقصدا، وذلك الندم أورثه العلم بكون المعاصى حائلا بينه وبين محبوبه، ولكل واحد من العلم والندم والعزم دوام وتمام، ولتمامها علامة، ولدوامها شرط فلا بد من بيانها : أما العلم فالنظر فيه نظر في سبب التوبة وسيأتى .

وأما الندم فهو توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب، وعلامته طول الحسرة والحزن وانسكاب الدمع وطول البكاء والفكر، فمن استشعر عقوبة نازلة بولده أو ببعض أعزته طال عليه مصيبته وبكاؤه، وأى عزيز أعز عليه من نفسه، وأى عقوبة أشد من النار، وأى شيء أدل على نزول العقوبة من المعاصى، وأى مخبر أصدق من الله ورسوله ؟ ولو حدثه إنسان واحد يسمى طبيبا : أن مرض ولده المريض لا يبرأ وأنه سيموت منه، لطال في الحال حزنه، فليس ولده بأعز من نفسه، ولا الطبيب بأعلم ولا أصدق من الله ورسوله، ولا الموت بأشد من النار ولا المرض بأدل على الموت من المعاصى على سخط الله تعالى والتعرض بها للنار، فألم الندم كلما كان أشد كان تكفير الذنوب به أرجى، فعلامة صحة الندم رقة القلب وغزارة الدمع وفى الخبر : ((جالسوا التوابين فانهم أرق أفئدة))[1] ومن علامته أن تتمكن مرارة تلك الذنوب في قلبه بدلا، عن حلاوتها فيستبدل بالميل كراهية وبالرغبة نفرة، وفي الإسرائيليات : إن الله سبحانه وتعالى قال لبعض أنبيائه - وقد سأله قبول توبة عبد بعد أن اجتهد سنين قي العبادة ولم ير قبول توبته - فقال : وعزتى وجلالى لو شفع فيه أهل السموات والأرض ما قبلت توبته وحلاوة ذلك الذنب الذى تاب منه في قلبه .

فإن قلت : فالذنوب هى أعمال مشتهاة بالطبع فكيف يجد مرارتها ؟ فأقول : من تناول عسلا كان فيه سم ولم يدركه بالذوق واستلذه ثم مرض وطال مرضه وألمه وتناثر شعره وفلجت أعضاؤه فإذا قدم إليه عسل فيه مثل ذلك السم وهو فى غاية الجوع والشهوة للحلاوة فهل تنفر نفسه عن ذلك العسل أم لا ؟ فإن قلت : لا فهو جحد للمشاهدة والضرورة، بل ربما تنفر عن العسل الذى ليس فيه سم أيضا لشبهه به، فوجدان التائب مرارة الذنب كذلك يكون، وذلك لعلمه بأن كل ذنب فذوقه ذوق العسل وعمله عمل السم، ولا تصح التوبة ولا تصدق إلا بمثل هذا الإيمان، ولم عز مثل هذا الإيمان عزت التوبة والتائبون، فلا ترى إلا معرضا عن الله تعالى متهاونا بالذنوب مصرا عليها، فهذا شرط تمام الندم، وينبغى أن يدوم إلى الموت، وينبغى أن يجد هذه المرارة فى جميع الذنوب، وإن لم يكن قد ارتكبها من قبل، كما يجد متناول السم في العسل النفره من الماء البارد مهما علم أن فيه مثل ذلك السم، إذ لم يكن ضرره من العسل بل مما فيه ولم يكن ضرر التائب من سرقته وزناه من حيث أنه سرقة وزنا بل من حيث انه من مخالفة أمر الله تعالى وذلك جار في كل ذنب، وأما القصد الذى ينبعث منه هو أرادة التدارك فله تعلق بالحال، وهو يوجب ترك كل محظور هو ملابس له وأداء كل فرض وهو متوجه عليه في الحال، وله تعلق بالماضى، وهو تدارك ما فرط .

وبالمستقبل وهو دوام الطاعة ودوام ترك المعصية الى الموت، وشرط صحتها فيما يتعلق بالماضى أن يرد فكره إلى أول يوم بلغ فيه بالسن أو الاحتلام، ويفتش عما مضى من عمره سنة سنة وشهرا شهرا ويوما يوما ونفسا نفسا وينظر الى الطاعات ما الذى قصر فيه منها ؟ وإلى المعاصى ما الذى قارفه منها ؟ فإن كان قد ترك صلاة أو صلاها فى ثوب نجس أو صلاها في بنية غير صحيحة لجهله بشرط النية فيقضيها عن آخرها، فإن شك في عدد ما فاته منها حسب من مدة بلوغه وترك القدر الذى يستيقن انه أداه ويقضى الباقى، وله أن يأخذ فيه بغالب الظن ويصل اليه على سبيل التحرى والاجتهاد .

وأما الصوم فإن كان قد تركه في سفر ولم يقضه، أو أفطر عمدا أو نسى النبة بالليل ولم يقض فيتعرف مجموع ذلك بالتحرى والاجتهاد، ويشتغل بقضائه .

وأما الزكاة فيحسب جميع ماله، وعدد السنين من أول ملكه - لا من زمان البلوغ فإن الزكاة واجبه في مال الصبى - فيؤدي ما علم بغالب الظن انه في ذمته، فإن أداه لا على وجه يوافق مذهبه بأن لم يصرف الى الأصناف الثمانية، أو أخرج البدل وهو على مذهب الشافعى رحمه الله تعالى فيقضى جميع ذلك، فإن ذلك لا يجزيه أصلا، وحساب الزكاة ومعرفة ذلك يطول ويحتاج فيه الى تأمل شاف، ويلزمه ان يسأل عن كيفية الخروج عنه من العلماء .

وأما الحج فإن كان قد استطاع فى بعض السنين ولم يتفق له الخروج، والآن قد افلس فعليه الخروج فإن لم يقدر مع الإفلاس فعليه أن يكتسب من الحلال قدر الزاد، فإن لم يكن له كسب ولا مال فعليه أن يسأل الناس ليصرف إليه الزكاة أو الصدقات ما يحج به، فإن إن مات قبل الحج مات عاصيا .

قال عليه السلام : ((من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا))[2]والعجز الطارىء بعد القدرة لا يسقط عنه الحج فهذا طريق تفتيشه عن الطاعات وتداركها .

وأما المعاصى فيجب أن يفتش من أول بلوغه عن سمعه وبصره ولسانه وبطنه ويده ورجله وفرجه وسائر جوارحه، ثم ينظر في جميع أيامه وساعاته، ويفصل عند نفسه ديوان معاصيه حتى يطلع على جميعها ؛ صغائرها وكبائرها ثم ينظر فيها، فما كان من ذلك بينه وبين الله تعالى من حيث لا يتعلق بمظلمة العباد، كنظر الى غير محرم وقعود في مسجد مع الجنابة ومس مصحف بغير وضوء واعتقاد بدعة وشرب خمر وسماع ملاه وغيره ذلك مما لا يتعلق بمظالم العباد، فالتوبة عنها بالندم والتحسر عليها وبأن يحسب مقدارها من حيث الكبر ومن حيث المدة ويطلب لكل معصية منها حسنة تناسبها فيأتى من الحسنات بمقدار تلك السيئات أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم : ((اتق الله حيث كنت وأتبع السيئة تمحها))[3] بل من قوله تعالى : ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات  ﴾ (هود : 114)  فيكفر سماع الملاهى بسماع القرآن وبمجالس الذكر، ويكفر القعود في المسجد جنبا بالاعتكاف فيه مع الاشتغال بالعبادة، ويكفر مس المصحف محدثا بإكرام المصحف وكثرة قراءة القرآن منه وكثرة تقبيله بأن يكتب مصحفا ويجعله وقفا، ويكفر شرب الخمر بالتصدق بشراب حلال هو أطيب منه وأحب إليه، وعد جميع المعاصى غير ممكن وإنما المقصود سلوك الطريق المضادة فإن المرض يعالج بضده، فكل ظلمة ارتفعت إلى القلب بمعصية فلا يمحوها إلا نور يرتفع إليها بحسنة تضادها، والمتضادات هى المتناسبات فلذلك ينبغى أن تمحى كل سيئة بحسنة من جنسها لكن تضادها، فإن البياض يزال بالسواد، لا بالحرارة والبرودة، وهذا التدريج والتحقيق من التلطف فى طريق المحو، فالرجاء فيه أصدق والثقة به أكثر من أن يواظب على نوع واحد من العبادات، وإن كان ذلك أيضا مؤثرا فى المحو فهذا حكم ما بينه وبين الله تعالى، ويدل على أن الشىء يكفر بضده أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وأثر اتباع الدنيا في القلب السرو بها والحنين إليها فلا جرم كان كل أذى يصيب المسلم ينبو بسببه قلبه عن الدنيا يكون كفارة له إذ القلب يتجافى بالهموم والغموم عن دار الهموم، قال صلى الله عليه وسلم : ((من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهموم))[4] وفى لفظ آخر ((إلا الهم بطلب المعيشة)) وفى حديث عائشة رضى الله عنها : ((إذا كثرت ذنوب العبد، ولم تكن له أعمال تكفرها أدخل الله تعالى عليه الهموم فتكون كفارة لذنوبه))[5] ويقال : إن الهم الذى يدخل على القلب والعبد لا يعرف هو ظلمه الذنوب والهم بها، وشعور القلب بوقفه الحساب وهول المطلع .

 فإن قلت : هم الإنسان غالبا بما له وولده وجاهه وهو خطيئة فكيف يكون كفارة ؟ فاعلم أن الحب له خطيئة والحرمان عنه كفارة ولو تمتع به لتمت الخطيئة، فقد روى أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام فى السجن فقال له : كيف تركت الشيخ الكئيب ؟ فقال : قد حزن عليك حزن مائة ثكلى .

قال : فما له عند الله ؟ قال : أجر مائة شهيد .

فإذن الهموم أيضا مكفرات حقوق الله فهذا حكم ما بينه وبين الله تعالى .

وأما مظالم العباد ففيها أيضا معصية وجناية على حق الله تعالى، فإن الله تعالى نهى عن ظلم العباد أيضا، فما يتعلق منه بحق الله تعالى تداركه بالندم والتحسر وترك مثله في المستقبل والإتيان بالحسنات التى هى أضدادها، فيقابل إيذاءه الناس بالإحسان إليهم، ويكفر غصب أموالهم بالتصدق بملكه الحلال، ويكفر تناول أعراضهم بالغيبة والقدح فيهم بالثناء على أهل الدين وإظهار ما يعرف من خصال الخير من أقرانه وأمثاله، ويكفر قتل النفوس بإعتاق الرقاب لأن تلك إحياء، إذ العبد مفقود لنفسه موجود لسيده، والإعتاق إيجاد لا يقدر الإنسان على أكثر منه فيقابل الإعدام بالإيجاد، وبهذا تعرف أن ما ذكرناه من سلوك طريق المضادة في التكفير والمحو مشهود له في الشرع حيث كفر القتل بإعتاق رقبة، ثم إذا فعل ذلك كله لم يكفه ما لم يخرج عن مظالم العباد، ومظالم العباد إما فى النفوس أو الأموال أو الأعراض أو القلوب أعنى به الإيذاء المحض .

أما النفوس فإن جرى عليه قتل خطأ فنوبته بتسليم الدية ووصولها الى المستحق إما منه أو من عاقلته وهو فى عهدة ذلك قبل الوصول، وإن كان عمدا موجبا للقصاص فبالقصاص، فإن لم يعرف فيجب عليه أن يتعرف عند ولى الدم ويحكمه فى روحه فإن شاء عفا عنه وإن شاء قتله ولا تسقط عهدته إلا بهذا، ولا يجوز له الإخفاء وليس هذا كما لو زنى أو شرب أو سرق أو قطع الطريق أو باشر ما يجب عليه فيه حد الله تعالى فإنه لا يلزمه فى التوبة أن يفضح نفسه ويهتك ستره ويلتمس من الوالى استيفاء حق الله تعالى، بل عليه أن بستر الله تعالى ويقيم حد الله، على نفسه بأنواع المجاهدة والتعذيب، فالعفو فى محض حقوق الله تعالى قريب من التائبين النادمين فإن أمر هذه الى الوالى حتى أقام عليه الحد وقع موقعه وتكون توبته صحيحة مقبوله عند الله تعالى بدليل ما روى أن ما عز بن مالك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنى قد ظلمت نفسى وزنيت، وإنى أريد أن تطهرنى، فرده، فلما كان من الغد اتاه فقال : يا رسول الله إنى قد زنيت، فرده الثانية، فلما كان فى الثالثة، أمر به فحفر له حفرة ثم أمر به فرجم، فكان الناس فيه فريقين : فقائل يقول لقد هلك وأحاطت به خطيئته، وقائل يقول ما توبة أصدق من توبته .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لو سعتهم))[6] .

وجاءت الغامدية فقالت : يا رسول الله إنى قد زنيت فطهرنى، فردها، فلما كان من الغد قالت : يا رسول الله لم تردنى لعلك تريد أن ترددنى كما رددت ما عزا فو الله إنى لحبلى، فقال صلى الله عليه وسلم : ((أما الآن فاذهبي حتى تضعي))، فلما ولدت أتت بالصبى فى خرقة فقالت : هذا قد ولدته، قال : ((اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)) فلما فطمته أتت بالصبي وفى يده كسرة خبز فقالت : يانبى الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجهه فسبها، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال : ((مهلا يا خالد فو الذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له)) ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت[7] .

وأما القصاص وحد القذف : فلا بد من تحليل صاحبه المستحق فيه، وإن كان المتناول مالا تناوله بغصب أو خيانة أو غبن فى معاملة بنوع تلبيس كترويج زائف أو ستر عيب من المبيع أو نقص أجرة أجير أو منع اجرته فكل ذلك يجب أن يفتش عنه لا من حد بلوغه بل من أول مدة وجوده، فإن ما يجب فى مال الصبى يجب على الصبي إخراجه بعد البلوغ إن كان الولى قد قصر فيه، فإن لم يفعل كان ظالما مطالبا به إذ يستوى فى الحقوق المالية الصبي والبالغ وليحاسب نفسه على الحبات والدوانق من أول يوم حياته إلى يوم توبته قبل أن يحاسب فى القيامة، وليناقش قبل أن يناقش، فمن لم يحاسب نفسه فى الدنيا طال فى الآخرة حسابه، فإن حصل مجموع ما عليه بظن غالب ونوع من الاجتهاد ممكن فليكتبه وليكتب أسامى أصحاب المظالم واحدا واحدا، وليطف فى نواحى العالم وليطلبهم وليستحلهم أو ليؤد حقوقهم، وهذه التوبة تشق على الظلمة وعلى التجار فإنهم لا يقدرون على طلب المعاملين كلهم ولا على طلب ورثتهم، ولكن على كل واحد منهم أن يفعل منه ما يقدر عليه فإن عجز فلا يبقى له طريق إلا أن يكثر من الحسنات حتى تفيض عنه يوم القيامة فتؤخذ حسناته وتوضع فى موازين أرباب المظالم، ولكن كثرة حسناته بقدر كثرة مظالمه فإنه إن لم تف بها حسناته حمل من سيئاته أرباب المظالم فيهلك بسيئات غيره، فهذا طريق كل تائب فى رد المظالم وهذا يوجب استغراق العمر فى الحسنات لو طال العمر بحسب طول مدة الظلم فكيف وذلك مما لا يعرف ؟ وربما يكون الأجل قريبا ؟ فينبغى أن يكون تشميرة للحسنات، والوقت ضيق أشد من تشميرة الذى كان فى المعاصى فى متسع الأوقات، هذا حكم المظالم الثابتة فى ذمته . 

 أما أمواله الحاضرة : فليرد إلى المالك ما يعرف له مالكا معينا وما لا يعرف له مالكا فعليه أن يتصدق به، فإن اختلط الحلال بالحرام فعليه أن يعرف قدر الحرام بالاجتهاد، ويتصدق بذلك المقدار كما سبق تفصيله فى كتاب الحلال والحرام . 

وأما الجناية على القلوب بمشافهة الناس بما يسوؤهم أو يعيهم فى الغيبة فيطلب كل من تعرض له بلسان أو آذى قلبه بفعل من أفعاله وليستحل واحدا واحدا منهم، ومن مات أو غاب فقد فات أمره ولا يتدارك إلا بتكثير الحسنات لتؤخذ منه عوضا فى القيامة، وأما من وجده وأحله بطيب قلب منه فذلك كفارته، وعليه أن يعرفه قدر جنايته، وتعرضه له فالاستحلال المبهم لا يكفى، وربما لو عرف ذلك وكثرة تعدية عليه لم تطب نفسه بالإحلال وادخر ذلك فى القيامة ذخيرة يأخذها من حسناته أو يحمله من سيئاته، فإن كان فى جملة جنايته على الغير ما لو ذكره وعرفه لتأذى بمعرفته كزناه بجاريته أو أهله أو نسبته باللسان إلى عيب من خفايا عيوبه يعظم أذاه مهما شوفة به فقد انسد عليه طريق الاستحلال، فليس له إلا أن يستحل منها ثم تبقى له مظلمة فليجبرها بالحسنات كما يجبر مظلمة الميت والغائب . 

 وأما الذكر والتعريف : فهو سيئة جديدة يجب الاستحلال منها، ومهما ذكر جنايته وعرفه المجنى عليه فلم تسمح نفسه بالاستحلال بقيت المظلمة عليه فإن هذا حقه، فعليه أن يتلطف به ويسعى فى مهماته وأغراضه ويظهر من حبه والشفقه عليه ما يستميل به قلبه، فإن الإنسان عبد الإحسان وكل من نفر بسيئة مال بحسنة فإذا طاب قلبه بكثرة تودده وتلطفه سمحت نفسه بالإحلال، فإن أبى إلا الإصرار فيكون تلطفه به واعتذاره إليه من جملة حسناته التى يمكن أن يجبر بها فى القيامة جنايته، وليكن قدر سعيه فى فرحه وسرور قلبه بتودده وتلطفه كقدر سعيه فى اذاه، حتى إذا قاوم أحدهما الآخر أو زاد عليه أخذ ذلك منه عوضا فى القيامة بحكم الله به عليه، كمن أتلف فى الدنيا ما لا فجاء بمثله فامتنع من له المال من القبول وعن الإبراء فإن الحاكم يحكم عليه بالقبض منه شاء أم أبى، فكذلك يحكم فى صعيد القيامة أحكم الحاكمين وأعدل المقسطين .

وفى المتفق عليه من الصحيحين عن أبى سعيد الخدرى أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال : ((كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة ؟ قال : لا،  فقتله، فكمل به مائة .

ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال له : إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ قال : نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى الأرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله عز وجل فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله .

وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط .

فأتاهم ملك فى صورة آدمي فجعلوه حكما بينهم فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى  فهو له .

فقاسوا، فوجوده أدنى إلى الأرض التى أراد، فقبضته ملائكة الرحمة))[8] وفى رواية ((فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر فجعل من أهلها)) وفى رواية ((فأوحى الله تعالى الى هذه أن تباعدى وإلى هذه أن تقربى، وقال : قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له)) فبهذا تعرف أنه لاخلاص إلا برجحان ميزان الحسنات ولو بمثقال ذرة، فلا بد للتائب من تكثير الحسنات، هذا حكم القصد المتعلق بالماضى .

 وأما العزم المرتبط بالاستقبال فهو أن يعقد مع الله عقدا مؤكدا ويعاهده بعهد وثيق أن لا يعود إلى تلك الذنوب ولا إلى أمثالها، كالذى يعلم فى مرضه أن الفاكهة تضره مثلا فيعزم عزما جزما أنه لا يتناول الفاكهة ما لم يزل مرضه، فإن هذا العزم يتأكد فى الحال وإن كان يتصور أن تغلبه الشهوة فى ثانى الحال، ولكن لا يكون تائبا ما لم يتأكد عزمه فى الحال، ولا يتصور أن يتم ذلك للتائب فى أول أمره إلا بالعزلة والصمت وقلة الأكل والنوم وإحراز قوت حلال، فإن كان له مال موروث حلال أو كانت له حرفة يكتسب بها قدر الكفاية فليقتصر عليه، فإن رأس المعاصى أكل الحرام فكيف يكون تائبا مع الإصرار عليه، ولا يكتفى بالحلال وترك الشبهات من لا يقدر على ترك الشهوات فى المأكولات والملبوسات ؟ وقد قال بعضهم : من صدق فى ترك شهوة وجاهد نفسه لله سبع مرار لم يبتل بها . ***** وقال آخر : من تاب من ذنب واستقام سبع سنين لم يعد إليه أبدا .

ومن مهمات التائب إذا لم يكن عالما أن يتعلم ما يجب عليه فى المستقبل وما يحرم عليه حتى يمكنه الاستقامه، وإن لم يؤثر العزلة لم تتم له الاستقامة المطلقة إلا أن يتوب عن بعض الذنوب، كالذى يتوب عن الشرب والزنا، والغصب مثلا، وليست هذه توبة مطلقة . 

وقد قال بعض الناس : إن هذه التوبة لا تصح .

وقال قائلون : تصح .

ولفظ الصحة فى هذا المقام مجمل، بل نقول لمن قال لا تصح : إن عنيت به أن تركه بعض الذنوب لا يفيد أصلا بلا وجوده كعدمه فما أعظم خطأك، فإنا نعلم أن كثرة الذنوب سبب لكثرة العقاب، وقلتها سبب لقلته .

ونقول لمن قال تصح : إن أردت به أن التوبة عن بعض الذنوب توجب قبولا يوصل الى النجاة أو الفوز فهذا أيضا خطأ، بل النجاة والفوز بترك الجميع .

هذا حكم الظاهر ولسنا نتكلم فى خفايا أسرار عفو الله، فإن قال من ذهب إلى أنها لا تصح إنى أردت به أن التوبة عبارة عن الندم، وإنما يندم على السرقة مثلا لكونها معصية لا لكونها سرقة، ويستحيل أن يندم عليها دون الزنا إن كان توجعه لأجل المعصية، فإن العلة شاملة لهما، إذ من يتوجع على قتل ولده بالسيف يتوجع على قتله بالسكين لأن توجعه بفوات محبوبه سواء كان بالسيف أو بالسكين، فكذلك توجع العبد بفوات محبوبه وذلك بالمعصية سواء عصى بالسرقة أو الزنا فكيف يتوجع على البعض دون البعض ؟ فالندم حالة يوجبها العلم بكون المعصية مفوتة للمحبوب من حيث إنها معصية فلا يتصور أن يكون على بعض المعاصى دون البعض، ولو جاز هذا لجاز أن يتوب من شرب الخمر من احد الدنين دون الآخر، فإن استحال ذلك من حيث إن المعصية فى الخمرين واحد وإنما الدنان ظروف فكذلك أعيان المعاصى آلات للمعصية والمعصية من حيث مخالفة الأمر واحدة، فإذن معنى عدم الصحة أن الله تعالى وعد التائبين رتبة وتلك الرتبة لا تنال إلا بالندم، ولا يتصور الندم على بعض المتماثلات، فهو كالملك المرتب على الإيجاب والقبول فإنه إذا لم يتم الإيجاب والقبول، نقول : إن العقد لا يصح أى لم تترتب عليه الثمرة وهو الملك، وتحقيق هذا أن ثمرة مجرد الترك أن ينقطع عنه عقاب ما تركه، وثمرة الندم تكفير ما سبق، فترك السرقة لا يكفر السرقة بل الندم عليها ولا يتصور الندم إلا لكونها معصية وذلك يعم جميع المعاصى، وهو كلام مفهوم واقع يستنطق المنصف بتفصيل به ينكشف الغطاء .

 فنقول : التوبة عن بعض الذنوب لا تخلو إما أن تكون عن الكبائر دون الصغائر، أو عن الصغائر دون الكبائر، أو عن كبيرة دون كبيرة .

أما التوبة عن الكبائر دون الصغائر فأمر ممكن لأنه يعلم أن الكبائر أعظم عند الله وأجلب لسخط الله ومقته، والصغائر أقرب إلى تطرق العفو إليها فلا يستحيل أن يتوب عن الأعظم ويتندم عليه، كالذى يجنى على أهل الملك وحرمه ويجنى على دابته، فيكون خائفا من الجناية على الأهل مستحقرا للجناية على الدابة والندم بحسب استعظام الذنب واعتقاد كونه مبعدا عن الله تعالى .

وهذا ممكن وجوده فى الشرع فقد كثر التائبون فى الأعصار الخاليه، ولم يكن أحد منهم معصوما فلا تستدعى التوبة العصمة .

والطبيب قد يحذر المريض العسل تحذيرا شديدا، ويحذره السكر تحذيرا أخف منه على وجه يشعر معه أنه ربما لا يظهر ضرر السكر أصلا، فيتوب المريض بقوله عن العسل دون السكر، فهذا غير محال وجوده وإن أكلهما جميعا، بحكم شهوته ندم على أكل العسل دون السكر .

 الثانى : أن يتوب عن بعض الكبائر دون بعض، وهذا أيضا ممكن لاعتقاده أن بعض الكبائر أشد وأغلظ عند الله، كالذى يتوب عن القتل والنهب والظلم ومظالم العباد لعلمه أن ديوان العباد لا يترك وما بينه وبين الله يتسارع العفو إليه، فهذا أيضا ممكن كما فى تفاوت الكبائر والصغائر، لأن الكبائر أيضا متفاوتة فى أنفسها وفى اعتقاد مرتكبها، ولذلك قد يتوب عن بعض الكبائر التى لا تتعلق بالعباد كما يتوب عن شرب الخمر دون الزنا مثلا، إذ يتضح له أن الخمر مفتاح الشرور وأنه إذا زال عقله ارتكب جميع المعاصى وهو لا يدرى فبحسب ترجح شرب الخمر عنده ينبعث منه خوف يوجب ذلك تركا فى المستقبل وندما على الماضى .

 الثالث : أن يتوب عن صغيرة أو صغائر وهو مصر على كبيرة يعلم أنها كبيرة، كالذى يتوب عن الغيبة او عن النظر إلى غير المحرم أو ما يجرى مجراه وهو مصر على شرب الخمر، فهو أيضا ممكن، ووجه إمكانة أنه ما من مؤمن إلا وهو خائف من معاصية ونادم على فعله ندما إما ضعيفا وإما قويا .

ولكن تكون لذة نفسه فى تلك المعصية أقوى من ألم قلبه فى الخوف منها لأسباب توجب ضعف الخوف من الجهل والغفلة، وأسباب توجب قوة الشهوة فيكون الندم موجودا، نولكن لا يكون مليا بتحريك العزم ولا قويا عليه، فإن سلم عن شهوة أقوى منه بأن لم يعارضه إلا ما هو أضعف قهر الخوف الشهوة وغلبها وأوجب ذلك ترك المعصية، وقد تشتد ضراوة الفاسق بالخمر فلا يقدر على الصبر عنه، وتكون له ضراوة ما بالغيبة وثلب الناس والنظر إلى غير المحرم، وخوفة من الله قد بلغ مبلغا يقمع هذه الشهوة الضعيفة دون القوية فيوجب عليه جند الخوف انبعاث العزم للترك، بل يقول هذا الفاسق فى نفسه إن قهرنى الشيطان بواسطة غلبه الشهوة فى بعض المعاصى، فلا ينبغى أن أخلع العذار وأرخى العنان بالكلية بل أجاهده فى بعض المعاصى، فعسانى أغلبه فيكون قهرى له فى البعض كفارة لبعض ذنوبى، ولو لم يتصور هذا لما تصور من الفاسق أن يصلى ويصوم، ولقيل له : إن كانت صلاتك لغير الله فلا تصح، وإن كانت لله فاترك الفسق لله فإن أمر الله فيه واحد، فلا يتصور أن تقصد بصلاتك التقرب إلى الله تعالى ما لم تتقرب بترك الفسق، وهذا محال بأن يقول : لله تعالى على أمران ولى على المخالفة فيهما عقوبتان، وأناملى فى أحدهما بقهر الشيطان عاجز عنه فى الآخرة، فأنا أقهره فيما أقدر عليه، وأرجو بمجاهدتى فيه أن يكفر عنى بعض ما عجزت عنه بفرط شهوتى فكيف لا يتصور هذا وهو حال كل مسلم ؟ إذ لا مسلم إلا وهو جامع بين طاعة الله ومعصيته ولاسبب له إلا هذا، وإذا فهم هذا، فهم أن غلبة الخوف للشهوة فى بعض الذنوب ممكن وجودها، والخوف إذا كان من فعل ماض أورث الندم، والندم يورث العزم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((الندم توبة)) ولم يشترط الندم على كل ذنب وقال : ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) ولم يقل التائب من الذنوب كلها .

وبهذه المعانى تبين سقوط قول القائل إن التوبة عن بعض الذنوب غير ممكنة لأنها متمائلة فى حق الشهوة وفى حق التعرض إلى سخط الله تعالى، نعم يجوز أن يتوب عن شرب الخمر دون النبيذ لتفاوتهما فى اقتضاء السخط، ويتوب عن الكثير دون القليل لأن لكثرة الذنوب تأثيرا فى كثرة العقوبة فيساعد الشهوة بالقدر الذي يعجز عنه ويترك بعض شهوته لله تعالى، كالمريض الذى حذره الطبيب الفاكهة فإنه قد يتناول قليلها ولكن لا يستكثر منها، فقد حصل من هذا أنه لا يمكن أن يتوب عن شىء ولا يتوب عن مثله بل لا بد وأن يكون ما تاب عنه مخالفا لما بقى عليه إما فى شدة المعصية وإما فى غلبة الشهوة، وإذا حصل هذا التفاوت فى اعتقاد التائب تصور اختلاف حاله فى الخوف والندم، فيتصور اختلاف حاله فى الترك، فندمه على ذلك الذنب، ووفاؤه بعزمه على الترك يلحقه بمن لم يذنب، وإن لم يكن قد أطاع الله فى جميع الأوامر والنواهى .

فإن قلت : هل تصح توبة العنين من الزنا الذى قارفه قبل طريان العنة ؟ فأقول : لا، لأن التوبة عبارة عن ندم يبعث العزم على الترك فيما يقدر على فعله،ن وما لا يقدر على فعله فقد انعدم بنفسه لا بتركه إياه، ولكنى أقول : لو طرأ عليه بعد العنة كشف ومعرفة تحقق به ضرر الزنا الذى قارفة، وثار منه احتراق وتحسر وندم بحيث لو كانت شهوة الوقاع به باقية لكانت حرقة الندم تقمع تلك الشهوة وتغلبها فإنى أرجو أن يكون ذلك مكفرا لذنبه وما حيا عنه سيئته، إذ لا خلاف فى أنه لو تاب قبل طريان العنة ومات عقيب التوبة كان من التائبين، وإن لم يطرأ عليه حالة تهيج فيها الشهوة وتتيسر أسباب قضاء الشهوة، ولكنه تائب باعتبار أن ندمه بلغ مبلغا أوجب صرف قصده، عن الزنا لو ظهر قصده فإذن لا يستحيل أن تبلغ قوة الندم فى حق العنين هذا المبلغ إلا أنه لا يعرفه من نفسه، فإن كل من لا يشتهى شيئا يقدر نفسه قادرا على تركه بأدنى خوف، والله تعالى مطلع على ضميره وعلى مقدار ندمه فعساه يقبله منه، بل الظاهر أنه يقبله .

والحقيقة فى هذا كلة ترجع إلى ظلمة المعصية تنمحى عن القلب بشيئين، أحدهما : حرقة الندم، والآخر : شدة المجاهدة بالترك فى المستقبل .

وقد امتنعت المجاهدة بزوال الشهوة ولكن ليس محالا أن يقوى الندم بحيث يقوى على محوها دون المجاهدة، ولولا هذا لقلنا : إن التوبة لا تقبل ما لم يعش التائب بعد التوبة مدة يجاهد نفسه فى عين تلك الشهوة مرات كثيرة، وذلك مما لا يدل ظاهر الشرع على اشتراطه أصلا .

فإن قلت : إذا فرضنا تائبين أحدهما سكنت نفسه عن النزوع الى الذنب، والآخر بقى في نفسه نزوع إليه وهو يجاهدها ويمنعها فأيهما أفضل ؟ فاعلم أن هذا مما اختلف العلماء فيه فقال أحمد بن أبى الحوارى وأصحاب أبى سليمان الدارانى : إن المجاهد أفضل لأن له مع التوبة فضل الجهاد .

وقال علماء البصرة : ذلك الآخر أفضل لأنه لو فتر فى توبته كان أقرب إلى السلامة من المجاهد الذى هو فى عرضه الفتور عن المجاهدة، وما قاله كل واحد من الفريقين لا يخلو عن حق وعن قصور عن كمال الحقيقة .

والحق فيه أن الذى انقطع نزوع نفسه له حالتان : (إحداهما) أن يكون انقطاع نزوعه إليها بفتور فى نفس الشهوة فقط، فالمجاهد أفضل من هذا، إذ تركه بالمجاهدة قد دل على قوة نفسه واستيلاء دينه على شهوته فهو دليل قاطع على قوة اليقين وعلى قوة الدين، وأعنى بقوة الدين قوة الإرادة التى تنبعث بإشارة اليقين وتقمع الشهوة المنبعثة بإشارة الشياطين، فهاتان قوتان تدل المجاهدة عليهما قطعا، وقول القائل : إن هذا أسلم إذ لو فتر لا يعود إلى الذنب فهذا صحيح، ولكن استعمال لفظ الأفضل فيه خطأ .

وهو كقول القائل : العنين أفضل من الفحل لأنه فى أمن من خطر الشهوة، والصبى أفضل من البالغ لأنه أسلم، والمفلس أفضل من الملك القاهر القامع لأعدائه لأن المفلس لا عدو له، والملك ربما يغلب مرة وإن غلب مرات، وهذا كلام رجل سليم القلب قاصر النظر على الظواهر غير عالم بأن العز فى الأخطار وأن العلو شرطه اقتحام الأغرار .

بل كقول القائل : الصياد الذى ليس له فرس ولا كلب أفضل فى صناعة الاصطياد وأعلى رتبة من صاحب الكلب والفرس، لأنه آمن من أن يجمح به فرسه فتنكسر أعضاؤه عند السقوط على الأرض، وآمن من أن يعضه الكلب ويعتدى عليه، وهذا خطأ بل صاحب الفرس والكلب إذا كان قويا عالما بطريق تأديبهما أعلى رتبة وأحرى بدرك سعادة الصيد .

(الحالة الثانية) أن يكون بطلان النزوع بسبب قوة اليقين وصدق المجاهدة السابقة إذ بلغ مبلغا قمع هيجان الشهوة حتى تأدبت بأدب الشرع، فلا تهيج إلا بالإشارة من الدين وقد سكنت بسبب استيلاء الدين عليها، فهذا أعلى رتبة من المجاهد المقاسى لهيجان الشهوة وقمعها .

وقول القائل : ليس لذلك فضل الجهاد قصور عن الإحاطة بمقصود الجهاد .

فإن الجهاد كان مقصودا لعينه، بل المقصود قطع ضراوة العدو حتى لا يستجرك الى شهواته وإن عجز عن استجرارك فلا يصدك عن سلوك طريق الدين، فإذا قهرته وحصلت المقصود فقد ظفرت، وما دمت فى المجاهدة فأنت بعد فى طلب الظفر، ومثاله كمثال من قهر العدو واسترقه بالإضافة الى من هو مشغول بالجهاد فى صف القتال ولا يدرى كيف يسلم .

ومثاله أيضا مثال من علم كلب الصيد وراض الفرس فهما نائمان عنده بعد ترك الكلب الضراوة والفرس الجماح بالإضافة إلى من هو مشغول بمقاساة التأديب بعد، ولقد زل فى هذا فريق فظنوا أن الجهاد هو المقصود الأقصى، ولم يعلموا أن ذلك طلب للخلاص من عوائق الطريق .

وظن آخرون أن قمع الشهوات وإماطتها بالكلية مقصود حتى جرب بعضهم نفسه فعجز عنه فقال : هذا محال، فكذب بالشرع وسلك سبيل الإباحة واسترسل فى اتباع الشهوات، وكل ذلك جهل وضلال، وقد قررنا ذلك فى كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات .

 فإن قلت : فما قولك فى تائبين أحدهما نسى الذنب ولم يشتغل بالتفكر فيه والآخر جعله نصب عينه ولا يزال بتفكر فيه ويحترق ندما عليه فأيهما أفضل ؟ فاعلم أن هذا أيضا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم : حقيقة التوبة أن تنصب ذنبك بين عينيك، وقال آخر : حقيقة التوبة ان تنسى ذنبك، وكل واحد من المذنبين عندنا على حق ولكن بالإضافة إلى حالين .

وكلام المتصوفة أبدا يكون قاصرا، فإن عادة كل واحد منهم أن يخبر عن حال نفسه فقط ولا يهمه حال غيره فتختلف الأجوبة لاختلاف الأحوال، وهذا نقصان بالإضافة الى الهمة والإرادة والجد حيث يكون صاحبه مقصور النظر على حال نفسه لا يهمه أمر غيره، إذ طريقة إلى الله نفسه ومنازله أحواله، وقد يكون طريق العبد إلى الله العلم، فالطرق إلى الله تعالى كثيرة وإن كانت مختلفة فى القرب والبعد، والله أعلم بمن هو أهدى سبيلا مع الاشتراك فى اصل الهداية .

فأقول : تصور الذنب وذكره والتفجع عليه كمال فى حق المبتدىء، لأنه إذا نسيه لم يكثر احتراقه فلا تقوى إرادته وانبعاثه لسلوك الطريق .

لأن ذلك يستخرج منه الحزن والخوف الوازع عن الرجوع إلى مثله .

فهو بالإضافة إلى الغافل كمال، ولكنه بالإضافة إلى سالك الطريق نقصان فإنه شغل مانع عن سلوك الطريق .

بل سالك الطريق ينبغى أن لا يعرج على غير السلوك، فإن ظهر له مبادى الوصول وانكشف له أنوار المعرفة ولو امع الغيب استغرقة ذلك، ولم يبق متسع للإلتفات إلى ما سبق من أحواله وهو الكمال .

بل لو عاق المسافر عن الطريق إلى بلد من البلاد نهر حاجز طال تعب المسافر فى عبوره مدة من حيث أنه كان قد خرب جسره من قبل ولو جلس على شاطىء البحر بعد عبورة يبكى متأسفا على تخريبه الجسر كان هذا مانعا آخر اشتغل به بعد الفراغ من ذلك المانع .

نعم إن لم يكن الوقت وقت الرحيل بأن كان ليلا فتعذر السلوك أو كان على طريقة أنهار وهو يخاف على نفسه أن يمر بها فليطل بالليل بكاؤه وحزنه على تخريب الجسر ليتأكد بطول الحزن عزمه على أن لا يعود إلى مثله، فإن حصل له من التنبيه ما وثق بنفسه أنه لا يعود إلى مثله فسلوك الطريق أولى به من الاشتغال بذكر تخريب الجسر والبكاء عليه، وهذا لا يعرفه إلا من عرف الطريق والمقصد والعائق وطريق السلوك - وقد أشرنا إلى تلويحات منه فى كتاب العلم وفى ربع المهلكات - بل نقول : شرط دوام التوبة أن يكون كثير الفكر فى النعيم فى الآخرة لتزيد رغبته، ولكن إن كان شابا فلا ينبغى أن يطيل فكره فى كل ما له نظير فى الدنيا كالحور والقصور، فإن ذلك الفكر ربما يحرك رغبته فيطلب العاجلة ولا يرضى بالآجلة، بل ينبغى أن يتفكر فى لذة النظر إلى وجه الله تعالى فقط فذلك لا نظير له فى الدنيا، فكذلك تذكر الذنب قد يكون محركا للشهوة، فالمبتدى أيضا قد يستضر به فيكون النسيان أفضل له عند ذلك، ولا يصدنك عن التصديق بهذا التحقيق ما يحكى لك من بكاء داود ونياحته عليه السلام، فإن قياسك نفسك على الانبياء قياس فى غاية الاعوجاج، لأنهم قد ينزلون فى أقوالهم وأفعالهم إلى الدرجات اللائقة بأممهم، فإنهم ما بعثوا إلا لإرشادهم فعليهم التلبس بما تنتفع أممهم بمشاهدته، وإن كان ذلك نازلا عن ذروة مقامهم فلقد كان فى الشيوخ من لا يشير على مريده بنوع رياضة إلا ويخوض معه فيها وقد كان مستغنيا عنها لفراغه عن المجاهدة وتأديب النفس تسهيلا للأمر على المريد .

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ((أما إنى لا أنسى، ولكنى أنسى لأشرع))[9] وفى لفظ : ((إنما اسهو لأسن)) .

ولا تعجب من هذا فإن الأمم فى كنف شفقة الأنبياء كالصبيان فى كنف شفقة الآباء، وكالمواشى فى كنف الرعاة .

أما ترى الأب إذا أراد أن يستنطق ولده الصبى كيف ينزل إلى درجه نطق الصبى، كما قال صلى الله عليه وسلم للحسن : ((كخ كخ))[10] لما أخذ تمرة من تمر الصدقة ووضعها فى فيه، وما كانت فصاحته تقصر عن أن يقول : ارم هذه التمرة فإنها حرام .

ولكنه لما علم أنه لا يفهم منطقة ترك الفصاحة ونزل إلى لكنته، بل الذى يعلم شاة أو طائرا يصوت به رغاء أو صفيرا تشبها بالبهيمة والطائر تلطفا فى تعليمه، فإياك أن تغفل عن أمثال هذه الدقائق إنها مزلة أقدام العارفين فضلا عن الغافلين، نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه.


بيان أقسام العباد فى دوام التوبة

اعلم أن التائبين فى التوبة على أربع طبقات : (الطبقة الاولى) : أن يتوب العاصى ويستقيم على التوبة إلى آخر عمره، فيتدارك ما فرط من أمره ولا يحدث نفسه بالعود إلى ذنوبه إلا الزلات التى لا ينفك البشر عنها فى العادات مهما لم يكن فى رتبه النبوة، فهذا هو الاستقامة على التوبة، وصاحبه هو السابق بالخيرات المستبدل بالسيئات حسنات واسم هذه التوبة " التوبة النصوح "، واسم هذه النفس الساكنة  "النفس المطمئنة " التى ترجع إلى ربها راضية مرضية، وهؤلاء هم الذين إليهم الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : ((سبق المفردون المستهترون بذكر الله تعالى وضع الذكر عنهم اوزارهم فوردوا القيامة خفافا))[11] .

فإن فيه إشارة إلى أنهم كانوا تحت أوزار وضعها الذكر عنهم .

وأهل هذه الطبقة على رتب من حيث النزوع إلى الشهوات .

فمن تائب سكنت شهواته تحت قهر المعرفة ففتر نزاعها، ولم يشغله عن السلوك صرعها، وإلى من لا ينفك عن منازعة النفس ولكنه ملى بمجاهدتها وردها .

ثم تتفاوت درجات النزاع أيضا بالكثرة والقلة وباختلاف المدة وباختلاف الأنواع .

وكذلك يختلفون من حيث طول العمر : فمن مختطف يموت قريبا من توبته يغبط على ذلك لسلامته، وموته قبل الفترة، ومن ممهل طال جهاده وصبره وتمادت استقامته وكثرت حسناته، وحال هذا أعلى وأفضل إذ كل سيئة فإنما تمحوها حسنة حتى قال بعض العلماء : إنما يكفر الذنب الذى ارتكبه العاصى أن يتمكن منه عشر مرات مع صدق الشهوة ثم يصبر عنه ويكسر شهوته خوفا من الله تعالى، واشتراط هذا بعيد وإن كان لا ينكر عظم أثره لو فرض .

ولكن لا ينبغى للمريد الضعيف أن يسلك هذا الطريق فتهيج الشهوة وتحضر الأسباب حتى يتمكن ثم يطمع فى الانكفاف، فإنه لا يؤمن خروج عنان الشهوة عن اختياره فيقدم على المعصية وينقض توبته، بل طريقها الفرار من ابتداء أسبابه الميسرة له حتى يسد طرقها على نفسه، ويسعى مع ذلك فى كسر شهوته بما يقدر عليه فبه تسلم توبته فى الابتداء .

(الطبقة الثانية) : تائب سلك طريق الاستقامة فى أمهات الطاعات، وترك كبائر الفواحش كلها، إلا انه ليس ينفك عن ذنوب تعترية لا عن عمد وتجريد قصد، ولكن يبتلى بها فى مجارى أحواله من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها، ولكنه كلما أقدم عليها لام نفسه وندم وتأسف وجدد عزمه على أن يتشمر للاحتراز من أسبابها التى تعرضه لها، وهذه النفس جديرة بأن تكون هى النفس اللوامة، إذ تلوم صاحبها على ما تستهدف له من الأحوال الذميمة لا عن تصميم عزم وتخمين رأى وقصد، وهذه أيضا رتبة عالية وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى، وهى أغلب أحوال التائبين، لأن الشر معجون بطينه الآدمى قلما ينفك عنه، وإنما غاية سعية أن يغلب خيره شره حتى يثقل ميزانه فترجح كفه الحسنات، فأما أن تخلو بالكلية كفة السيئات فذلك فى غاية البعد، وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله تعالى إذ قال تعالى : ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ﴾ (النجم : 32)  إن ربك واسع المغفرة فكل المام يقع بصغيرة لا عن توطين نفسه عليه فهو جدير بأن يكون من اللمم المعفو عنه، قال تعالى : ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ﴾ (آل عمران : 135) فأثنى عليهم مع ظلمهم لأنفسهم لتندمهم ولومهم أنفسهم عليه .

وإلى مثل هذه الرتبة الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه على كرم الله وجهه : ((خياركم كل مفتن تواب))[12].

وفى خبر آخر : ((المؤمن كالسنبلة، يفيء أحيانا ويميل أحيانا))[13].

وفى الخبر : ((لا بد للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة))[14].

أى الحين بعد الحين، فكل ذلك أدلة قاطعة على أن هذا القدر لا ينقض التوبة، ولا يلحق صاحبها بدرجة المصرين، ومن يؤيس مثل هذا عن درجة التائبين كالطبيب الذي يؤيس الصحيح عن دوام الصحة بما يتناوله من الفواكه والأطعمة الحارة مرة بعد أخرى من غير مداومة واستمرار، وكالفقيه الذى يؤيس المتفقه عن نيل درجة الفقهاء بفتورة عن التكرار والتعليق فى أوقات نادرة غير متطاولة ولا كثيرة .

وذلك يدل على نقصان الطبيب والفقيه، بل الفقيه فى الدين هو الذى لا يؤيس الخلق عن درجات السعادات بما يتفق لهم من الفترات ومقارفة السيئات المختطفات قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((كل بنى آدم خطاءون وخير الخطائين التوابون المستغفرون))[15] .

وقال تعالى : ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ﴾ (القصص : 54) فما وصفهم بعدم السيئة أصلا .

 (الطبقة الثالثة) : أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة، ثم تغلبه الشهوات فى بعضالذنوب فيقدم عليها عن صدق وقصد شهوة لعجزه عن قهر الشهوة، إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات وتارك جملة من الذنوب مع القدرة والشهوة، وإنما قهرته هذه الشهوة الواحدة أو الشهوتان وهو يود لو اقدره الله تعالى على قمعها وكفاه شرها، هذا أمنيته فى حال قضاء الشهوة عند الفراغ يتندم ويقول : ليتنى لم أفعله وسأتوب عنه وأجاهد نفسى فى قهرها، لكنه تسول نفسه ويسوف توبته مرة بعد أخرى ويوما بعد يوم .

فهذه النفس هى التى تسمى " النفس المسولة " وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم : ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ﴾ (التوبة : 102) فأمره من حيث مواظبته على الطاعات وكراهته لما تعاطاه مرجو فعسى الله أن يتوب عليه، وعاقبته مخطرة من حيث تسويفه وتأخيره، فربما بختطف قبل التوبة ويقع أمره فى المشيئة فإن تداركه الله بفضله وجبر كسره وامتن عليه بالتوبة التحق بالسابقين، وإن غلبته شقوته وقهرته شهوته فيخشى أن يحق عليه فى الخاتمة ما سبق عليه من القول فى الأزل، لأنه مهما تعذر على المتفقة مثلا الاحتراز عن شواغل التعلم دل تعذره على أنه سبق له فى الأزل أن يكون من الجاهلين فيضعف الرجاء فى حقه، وإذا يسرت له أسباب المواظبة على التحصيل دل على أنه سبق له فى الأزل أن يكون من جملة العالمين .

فكذلك ارتباط سعادات الآخرة ودركاتها بالحسنات والسيئات بحكم تقدير مسبب الأسباب كارتباط المرض والصحة بتناول الأغذية والأدوية، وارتباط حصول فقه النفس الذي به تستحق المناصب العلية فى الدنيا بترك الكسل والمواظبة على تفقيه النفس، فكما لا يصلح لمنصب الرياسة والقضاء والتقدم بالعلم إلا نفس صارت فقيهة بطول التفقيه فلا يصلح لملك الآخرة ونعيمها ولا القرب من رب العالمين إلا قلب سليم صار طاهرا بطول التزكية والتطهير .

هكذا سبق فى الأزل بتدبير رب الأرباب، ولذلك قال تعالى : ﴿ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ﴾ (الشمس : 7-10) فمهما وقع العبد فى ذنب فصار الذنب نقدا والتوبة نسيئة كان هذا من علامات الخذلان .

قال صلى الله عليه وسلم : ((إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة حتى يقول الناس إنه من أهلها ولا يبقى بينه وبين الجنة إلا شبر فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها))[16]فإذن الخوف من الخاتمة قبل التوبة .

وكل نفس فهو خاتمة ما قبله إذ يمكن أن يكون الموت متصلا به فليراقب الأنفاس وإلا وقع فى المحذور ودامت الحسرات حين لا ينفع التحسر .

(الطبقة الرابعة) : أن يتوب ويجرى مدة على الاستقامة ثم يعود إلى مقارفة الذنب أو الذنوب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة ومن غير أن يتأسف على فعله، بل ينهمك انهماك الغافل فى اتباع شهواته فهذا من جملة المصرين، وهذه النفس هى " النفس الأمارة بالسوء " الفرارة من الخير، ويخاف على هذا سوء الخاتمة وأمره فى مشيئة الله، فإن ختم له بالسوء شقى شقاوة لا آخر لها .

وإن ختم له بالحسنى حتى مات على التوحيد فينتظر له الخلاص من النار ولو بعد حين، ولا يستحيل أن يشمله عموم العفو بسبب خفى لا تطلع عليه، كما لا يستحل أن يدخل الإنسان خرابا ليجد كنزا فيتفق أن يجده، وأن يجلس فى البيت ليجعله الله عالما بالعلوم من غير تعلم كما كان الأنبياء صلوات الله عليهم فطلب المغفرة بالطاعات كطلب العلم بالجهد والتكرار، وطلب المال بالتجارة وركوب البحار وطلبها بمجرد الرجاء مع خراب الأعمال كطلب الكنور فى المواضع الخربة، وطلب العلوم من تعليم الملائكة، وليت من اجتهد تعلم، وليت من اتجر استغنى، وليت من صام وصلى غفر له، فالناس كلهم محرومون إلا العالمون، والعالمون كلهم محرومون إلا العاملون، والعاملون كلهم محرومون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم، وكما أن من خرب بيته وضيع ماله وترك نفسه وعياله جياعا يزعم أنه ينتظر فضل الله بأن يرزقه كنزا يجده تحت الأرض فى بيته الخرب يعد عنه ذوى البصائر من الحمقى والمغرورين، وإن كان ما ينتظره غير مستحيل فى قدرة الله تعالى وفضله .

فكذلك من ينتظر المغفرة من فضل الله تعالى وهو مقصر عن الطاعة مصر على الذنوب غير سالك سبيل المغفرة يعد عند أرباب القلوب من المعتوهين، والعجب من عقل هذا المعتوه وترويجه حماقته فى صيغة حسنة إذ يقول : إن الله كريم وجنته ليست تضيق على مثلى، ومعصيتى ليست تضره، ثم تراه يركب البحار ويقتحم الاوعار فى طلب الدينار .

وإذا قيل له : إن الله كريم، ودنانير خزائنه ليست تقصر على فقرك، وكسلك بترك التجارة ليس يضرك فاجلس فى بيتك فعساه يرزقك من حيث لا تحتسب فيستحمق قائل هذا الكلام ويستهزىء به ويقول : ما هذا الهوس ؟ السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وإنما ينال ذلك بالكسب، وهكذا قدره مسبب الأسباب وأجرى به سنته ولا تبديل لسنة الله،  ولا يعلم المغرور أن رب الآخرة ورب الدنيا واحد وأن سنته لا تبديل لها فيهما جميعا، وأنه قد أخبر إذ قال : ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾  (النجم : 39)  فكيف يعتقد أنه كريم فى الآخرة وليس بكريم فى الدنيا ؟ وكيف يقول ليس مقتضى الكرم الفتور عن كسب المال ومقتضاه الفتور عن العمل للملك لذلك المقيم والنعيم الدائم، وأن ذلك بحكم الكرم يعطيه من غير جهد فى الآخرة، وهذا يمنعه مع شدة الاجتهاد فى غالب الأمر فى الدنيا ؟ وينسى قوله تعالى : ﴿ وفى السماء رزقكم وما توعدون﴾ (الذاريات : 22)  فنعوذ بالله من العمى والضلال فما هذا إلا انتكاس على أم الرأس وانغماس فى ظلمات الجهل : وصاحب هذا جدير بأن يكون داخلا تحت قوله تعالى : ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ﴾ (السجدة : 12) أي أبصرنا أنك صدقت إذ قلت : ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ (النجم : 39) فارجعنا نسعى، وعند ذلك لا يمكن من الانقلاب، ويحق عليه العذاب، فنعوذ بالله من دواعى الجهل والشك والارتياب السائق بالضرور إلى سوء المنقلب والمآب .


بيان ما ينبغى أن يبادر إليه التائب إن جرى عليه ذنب إما عن قصد وشهوة غالبة أو عن إلمام بحكم الاتفاق

اعلم أن الواجب عليه التوبة والندم والاشتغال بالتكفير بحسنة تضاده كما ذكرنا طريقة، فإن لم تساعده النفس على العزم على الترك لغلبة الشهوة فقد عجز عن أحد الواجبين، فلا ينبغى أن يترك الواجب الثانى وهو أن يدرأ بالحسنة السيئة ليمحوها فيكون ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، فالحسنات المكفرة للسيئات إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالجوارح، ولتكن الحسنة فى محل السيئة وفيما يتعلق بأسبابها .

فأما بالقلب فليكفره بالتضرع إلى الله تعالى فى سؤال المغفرة والعفو، ويتذلل تذلل العبد الآبق، ويكون ذله بحيث يظهر لسائر العباد وذلك بنقصان كبره فيما بينهم، فما للعبد الآبق المذنب وجه للتكبر على سائر العباد وكذلك يضمر بقلبه الخيرات للمسلمين والعزم على الطاعات .

وأما باللسان فبالاعتراف بالظلم والاستغفار فيقول : رب ظلمت نفسى وعملت سوءا فاغفر لى ذنوبى وكذلك يكثر من ضروب الاستغفار كما أوردناه فى كتاب الدعوات والأذكار .

وأما بالجوارح فبالطاعات والصدقات وأنواع العبادات .

وفى الآثار ما يدل على أن الذنب إذا أتبع بثمانية أعمال كان العفو عنه مرجوا، أربعة من أعمال القلوب وهى : التوبة أو العزم على التوبة، وحب الإقلاع عن الذنب، وتخوف العقاب عليه، ورجاء المغفرة له .

وأربعة من أعمال الجوارح وهى : أن تصلى عقيب الذنب ركعتين، ثم تستغفر الله تعالى بعدهم سبعين مرة وتقول، سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة، ثم تتصدق بصدقة، ثم تصوم يوما، وفى بعض الآثار : ((تسبغ الوضوء وتدخل المسجد وتصلى ركعتين))[17].

وفى بعض الأخبار : ((تصلى أربع ركعات حديث التكفير بصلاة أربع ركعات))[18] .

وفى الخبر : ((إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تكفرها، السر بالسر والعلانية بالعلانية))[19] ولذلك قيل : صدقة السر تكفر ذنوب الليل، وصدقة الجهر تكفر ذنوب النهار .

وفى الخبر الصحيح : أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنى عالجت امرأة فأصبت منها كل شىء إلا المسيس فاقض على بحكم الله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم : ((أو ما صليت معنا صلاة الغداة ؟)) قال : بلى .

فقال صلى الله عليه وسلم :  ((إن الحسنات يذهبن السيئات))[20] وهذا يدل على أن ما دون الزنا من معالجة النساء صغيرة، إذ جعل الصلاة كفارة له بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم : ((الصلوات الخمس كفارات لما بينهن إلا الكبائر)) فعلى الأحوال كلها ينبغى أن يحاسب نفسه كل يوم ويجمع سيئاته ويجتهد فى دفعها بالحسنات .

فإن قلت : فكيف يكون الاستغفار نافعا من غير حل عقدة الإصرار ؟ وفى الخبر : ((المستغفر من الذنب وهومصر عليه كالمستهزىء بآيات الله))[21].

وكان بعضهم يقول : أستغفر الله من قولى أستغفر الله، وقيل : الاستغفار باللسان توبة الكذابين .

وقالت رابعة العدوية : استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير .

فاعلم أنه قد ورد فى فضل الاستغفار أخبار خارجة عن الحصر - ذكرناها فى كتاب الأذكار والدعوات - حتى قرن الله الاستغفار ببقاء الرسول صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ (الأنفال : 33) فكان بعض الصحابة يقول : كان لنا أمانان ذهب أحدهما وهو كون الرسول فينا، وبقى الاستغفار معنا فإن ذهب هلكنا [22] .

فنقول : الاستغفار الذي هو توبة الكذابين هو الاستغفار بمجرد اللسان من غير أن يكون للقلب فيه شركة، كما يقول الإنسان بحكم العادة وعن رأس الغفلة أستغفر الله، وكما يقول إذا سمع صفة النار : نعوذ بالله منها من غير أن يتأثر به قلبه، وهذا يرجع إلى مجرد حركة اللسان ولا جدوى له، فأما إذا انضاف إليه تضرع القلب إلى الله تعالى وابتهاله فى سؤال المغفرة عن صدق إرادة وخلوص نية ورغبة، فهذه حسنة فى نفسها فتصلح لأن تدفع بها السيئة، وعلى هذا تحمل الأخبار الواردة فى فضل الاستغفار حتى قال صلى الله عليه وسلم : ((ما أصر من استغفر، ولو عاد فى اليوم سبعين مرة))[23] وهو عبارة عن الاستغفار بالقلب .

وللتوبة والاستغفار درجات وأوائلها لا تخلو عن الفائدة وإن  لم تنته إلى أواخرها ولذلك قال سهل : لا بد للعبد فى كل حال من مولاه، فأحسن أحواله أن يرجع إليه فى كل شىء، فإن عصى قال : يا رب استر على، فإذا فرغ من المعصية قال : يا رب تب على، فإذا تاب قال : يا رب ارزقنى العصمة، وإذا عمل قال : يا رب تقبل منى .

وسئل أيضا عن الاستغفار الذى يكفر الذنوب فقال : أول الاستغفار الاستجابة  ثم الإنابة ثم التوبة، فالاستجابة أعمال الجوارح والإنابة أعمال القلوب والتوبة إقباله على مولاه بأن يترك الخلق ثم يستغفر الله من تقصيره الذى هو فيه، ومن الجهل بالنعمة وترك الشكر، فعند ذلك يغفر له ويكون عنده مأواه ثم التنقل إلى الانفراد ثم الثبات ثم البيان ثم الفكر ثم المعرفة ثم المناجاة ثم المصافاة ثم الموالاة ثم محادثة السر وهو الخلة، ولا يستقر هذا فى قلب عبد حتى يكون العلم غذاءه والذكر قوامه والرضا زاده والتوكل صاحبه .

ثم ينظر الله إليه فيرفعه إلى العرش فيكون مقامه مقام حملة العرش .

وسئل أيضا عن قوله صلى الله عليه وسلم : ((التائب حبيب الله)) فقال : إنما يكون حبيبا إذا كان فيه جميع ما ذكر فى قوله تعالى : ﴿ التائبون العابدون﴾ (التوبة : 112)  الآية، وقال : الحبيب هو الذى لا يدخل فيما يكرهه حبيبه .

والمقصود أن للتوبة ثمرتين (إحداهما) : تكفير السيئات حتى يصير كمن لا ذنب له (والثانية) : نيل الدرجات حتى يصير حبيبا .

وللتكفير أيضا درجات : فبعضه محو لأصل الذنب بالكلية وبعضه تخفيف له، ويتفاوت ذلك بتفاوت درجات التوبة، فالاستغفار بالقلب والتدارك بالحسنات - وإن خلا عن حل عقدة الإصرار .

من أوائل الدرجات - فليس يخلو عن الفائدة أصلا، فلا ينبغى أن تظن أن وجودها كعدمها .

بل عرف أهل المشاهدة وأرباب القلوب معرفة لا ريب فيها أن قول الله تعالى : ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ (الزلزلة : 7)  صدق وأنه لا تخلو ذرة من الخير عن أثر كما لا تخلو شعيرة تطرح فى الميزان عن أثر، ولو خلت الشعيرة الأولى عن أثر لكانت الثانية مثلها ولكان لا يرجح الميزان بأحمال الذرات، وذلك بالضرورة محال، بل ميزان الحسنات يرجح بذرات الخير إلى أن يثقل فترفع كفه السيئات، فإياك أن تستصغر ذرات الطاعات فلا تأتيها، وذرات المعاصى فلا تنفيها، كالمرأة الخرقاء تكسل عن الغزل تعللا بأنها لا تقدر فى كل ساعة إلا على خيط واحد وتقول : أى غنى يحصل بخيط وما وقع ذلك فى الثياب ؟ ولا تدري المعتوهة ان ثياب الدنيا اجتمعت خيطا خيطا وأن أجسام العالم مع اتساع أقطاره اجتمعت ذرة ذرة، فإذن التضرع والاستغفار بالقلب حسنة لا تضيع عند الله أصلا .

بل أقول : الاستغفار باللسان أيضا حسنة، إذ حركة اللسان بها عن غفلة خير من حركة اللسان فى تلك الساعة بغيبة مسلم أو فضول كلام، بل هو خير من السكوت عنه، فيظهر فضله بالإضافة إلى السكوت عنه وإنما يكون نقصانا بالإضافة إلى عمل القلب .

ولذلك قال بعضهم لشيخه أبى عثمان المغربى : إن لسانى فى بعض الأحوال يجرى بالذكر والقرآن وقلبى غافل .

فقال  : اشكر الله إذ استعمل جارحة من جوارحك فى الخير، وعودة الذكر ولم يستعمله فى الشر ولم يعوده الفضول، وما ذكره حق، فإن تعود الجوارح للخير حتى يصير لها ذلك كالطبع يدفع جملة من المعاصى .

فمن تعود لسانه الاستغفار إذا سمع من غيره كذبا، سبق لسانه إلى ما تعود فقال : أستغفر الله، ومن تعود الفضول سبق لسانه إلى قول ما أحمقك وما أقبح كذبك، ومن تعود الاستعاذة إذا حدث بظهور مبادىء الشر من شرير قال بحكم سبق اللسان : نعوذ بالله، وإذا تعود الفضول قال : لعنه الله، فيعصى فى إحدى الكلمتين ويسلم فى الأخرى، وسلامته أثر اعتياد لسانه الخير وهو من جملة معانى قوله تعالى : ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ (التوبة : 120، هود : 115، يوسف : 90)  ومعانى قوله تعالى : ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ﴾ (النساء : 40)  فانظر كيف ضاعفها، إذ جعل الاستغفار فى الغفلة عادة اللسان، حتى دفع بتلك العادة شر العصيان بالغيبة واللعن والفضول هذا تضعيف فى الدنيا لأدنى الطاعات وتضعيف الآخرة ﴿ أكبر لو كانوا يعلمون ﴾ (النحل : 14، الزمر : 26، القلم : 33)  فإياك وأن تلمح فى الطاعات مجرد الآفات فتفتر رغبتك عن العبادات، فإن هذه مكيدة روجها الشيطان بلعنته على المغرورين وخيل إليهم أنهم أرباب البصائر وأهل التفطن للخفايا والسرائر، فأى خير فى ذكرنا باللسان مع غفلة القلب ؟ فانقسم الخلق فى هذه المكيدة إلى ثلاثة أقسام : ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات .

أما السابق فقال : صدقت يا ملعون، ولكن هى كلمة حق أردت بها باطلا .

فلا جرم أعذبك مرتين، وأرغم أنفك من وجهين فأضيف إلى حركة اللسان حركة القلب، فكان كالذى داوى جرح الشيطان بنثر الملح عليه وأما الظالم المغرور : فاستشعر فى نفسه خيلاء الفطنة لهذه الدقيقة ثم عجز عن الإخلاص بالقلب فترك مع ذلك تعويد اللسان بالذكر فأسعف الشيطان وتدلى بحبل غروره فتمت بينهما المشاركة والموافقة كما قيل : وافق شن طبقه وافقه فاعتنقه .

وأما المقتصد : فلم يقدر على إرغامه بإشراك القلب فى العمل وتفطن لنقصان حركة اللسان بالإضافة إلى القلب، ولكن اهتدى إلى كماله بالإضافة إلى السكوت والفضول فاستمر عليه وسأل الله تعالى أن يشرك القلب مع اللسان فى اعتياد الخير .

فكان السابق كالحائك الذى ذمت حياكته فتركها وأصبح كاتبا والظالم المتخلف كالذى ترك الحياكة أصلا وأصبح كناسا، والمقتصد كالذى عجز عن الكتابة فقال : لا أنكر مقدمة الحياكة، ولكن الحائك مذموم بالإضافة إلى الكاتب لا بالإضافة إلى الكناس، فإذا عجزت عن الكتابة فلا أترك الحياكة .

ولذلك قالت رابعة العدوية : استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير، فلا تظن أنها تذم حركة اللسان من حيث إنه ذكر الله، بل تذم غفلة القلب فهو محتاج إلى الاستغفار من غفلة قلبه لا من حركة لسانه فإن سكت عن الاستغفار باللسان أيضا احتاج إلى استغفارين لا إلى استغفار واحد فهكذا ينبغى أن تفهم ذم ما يذم وحمد ما يحمد والا جهلت معنى ما قال القائل الصادق : حسنات الأبرار سيئات المقربين .

فإن هذه أمور تثبت بالإضافة فلا ينبغى أن تؤخذ من غير إضافة، بل ينبغى أن لا تستحقر ذرات الطاعات والمعاصى، ولذلك قال جعفر الصادق : إن الله تعالى خبأ ثلاثا فى ثلاث : رضاه فى طاعته، فلا تحقروا منها شيئا فلعل رضاه فيه، وغضبه فى معاصيه، فلا تحقروا منها شيئا فلعل غضبه فيه، وخبأ ولايته فى عباده فلا تحقروا منهم أحدا فلعله ولي الله تعالى، وزاد : وخبأ إجابته فى دعائه، فلا تتركوا الدعاء فربما كانت الإجابة فيه .


 

1 حديث ((جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة)) لم أجده مرفوعا، وهو من قول عون بن عبد الله، رواه ابن أبى الدنيا في التوبة قال : ((جالسوا التوابين فإن رحمه الله إلى النادم أقرب)) وقال أيضا : ((فالموعظة إلى قلوبهم أسرع، وهم إلى الرقة أقرب)) وقال أيضا : ((التائب أسرع دمعا وأرق قلبا)) .

2 حديث ((من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا ... الحديث)) تقدم فى الحج .

3 حديث ((اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها)) أخرجه الترمذى من حديث أبى ذر وصححه، وتقدم أوله في آداب الكسب، وبعضه فى أوائل التوبة، وتقدم فى رياضة النفس .

54 حديث ((من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهموم)) وفى لفظ آخر ((إلا الهم فى طلب المعيشة)) أخرجه الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والخطيب في التلخيص من حديث أبى هريرة بسند ضعيف، تقدم فى النكاح.  {ذكره الألباني في ضعيف الجامع (1994)، وقال : موضوع} .

5 حديث ((إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له أعمال تكفرها أدخل الله عليه الغموم)) وتقدم أيضا فى النكاح، وهو عند أحمد من حديث عائشة بلفظ ((ابتلاه الله بالحزن)) . {ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (678)}

6 حديث اعتراف ما عز بالزنا ورده صلى الله عليه وسلم حتى اعترف اربعا وقوله : ((لقد تاب توبة ... الحديث)) أخرجه مسلم من حديث بريدة بن الخصيب .

7 حديث الغامدية واعترافها بالزنا ورجمها وقوله صلى الله عليه وسلم : ((لقد تابت توبة . ... الحديث)) أخرجه مسلم من حديث بريدة، وهو بعض الذى قبله .

8  حديث أبى سعيد الخدري المتفق عليه : ((كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين، فسأل عن أعلم أهل الأرض ... الحديث)) هو متفق عليه كما قال المصنف من حديث أبى سعيد .

9 حديث ((أما إنى لا أنسى، ولكنى أنسى لأشرع)) ذكره مالك بلاغا بغير إسناد، وقال ابن عبد البر : لا يوجد فى الموطأ إلا مرسلا لا إسناد له، وكذا قال حمزة الكتانى : إنه لم يرد من غير طريق مالك، وقال أبو طاهر الأنماطى : وقد طال بحثى عنه وسؤالى عنه للأئمة والحفاظ فلم أظفر به، ولا سمعت عن أحد أنه ظفر به، قال : وادعى بعض طلبه الحديث أنه وقع له مسندا .{ذكره الألباني في الضعيفة (101)، وقال : باطل لا أصل له} .

10 حديث أنه قال للحسن : ((كخ كخ)) لما أخذ تمرة من الصدقة ووضعها فى فيه، أخرجه البخاري من حديث أبى هريرة وتقدم فى كتاب الحلال والحرام .

11 حديث ((سبق المفردون المستهترون بذكر الله ... الحديث)) أخرجه الترمذى من حديث أبى هريرة وحسنة، وقد تقدم . {ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (3240)} .

12 حديث علي ((خياركم كل مفتن تواب)) أخرجه البيهقى فى الشعب بسند ضعيف . {ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2873)} .

13 حديث ((المؤمن كالسنبلة، تفيء أحيانا وتميل أحيانا)) أخرجه أبو يعلى وابن حبان فى الضعفاء من حديث انس، والطبرانى من حديث عمار بن ياسر، والبيهقى فى الشعب من حديث الحسن مرسلا، وكلها ضعيفة، وقالوا : ((تقوم)) بدل ((تفيء)) وفى الأمثال للرامهرمزى إسناد جيد لحديث انس .

14 حديث ((لا بد للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة)) أخرجه الطبرانى والبيهقى فى الشعب من حديث ابن عباس بأسانيد حسنة .

15 حديث ((كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين المستغفرون)) اخرجه الترمذى واستغربه، والحاكم وصحيح إسناده من حديث أنس وقال : ((التوابون)) بدل ((المستغفرون))، قلت : فيه على بن مسعدة ضعفه البخاري . ***** }حسنه الألباني في صحيح الجامع (4515){ .

16 حديث ((إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة ... الحديث)) متفق عليه من حديث سهل بن سعد دون قوله : ((سبعين سنة)) ولمسلم من حديث أبى هريرة : ((إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ... الحديث)) ولأحمد من رواية شهر بن حوشب عن أبى هريرة : ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة)) وشهر مختلف فيه . {حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1458)، وفيه زيادة الحيف والعدل في الوصية} .

17 أثر ((إن من مكفرات الذنب أن تسبغ الوضوء وتدخل المسجد وتصلى ركعتين)) أخرجه أصحاب السنن من حديث أبى بكر الصديق رضى الله عنه ((ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلى ثم يستغفر الله إلا غفر الله له)) لفظ أبى داود، وهو فى الكبرى للنسائى مرفوعا وموقوفا فلعل المصنف عبر بالأثر لارادة الموقوف، فذكرته احتياطا، والا فالآثار ليست من شرط كتابى .

18  حديث : التكفير بصلاة أربع ركعات : أخرجه ابن مردوية فى التفسير، والبيهقى فى الشعب من حديث ابن عباس قال : كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يهوى امرأة ...  الحديث . وفيه : فلما رآها جلس منها مجلس الرجل من امرأته وحرك ذكره فإذا هو مثل الهدية فقام نادما فآتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ((صل أربع ركعات)) فأنزل الله عز وجل : ﴿وأقم الصلاة طرفى النهار ﴾ الآية وإسناده جيد .

19  حديث ((إذا عملت سيئة فاتبعها حسنة تكفرها، السر بالسر والعلانية بالعلانية)) أخرجه البيهقى فى الشعب من حديث معاذ، وفيه رجل لم يسم، ورواه الطبرانى من رواية عطاء بن يسار عن معاذ ولم يلقه بلفظ ((وما عملت من سوء فأحدث لله فيه توبة، السر بالسر ... الحديث)) . {ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (600)}.

20 حديث : أن رجلا قال : يا رسول الله إنى عالجت امرأة فأصبت منها كل شىء إلا المسيس  ... الحديث فى نزول ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ متفق عليه من حديث ابن مسعود دون قوله : ((أو ما صليت معنا صلاة الغداة ؟)) ورواه مسلم من حديث أنس وفيه : ((هل حضرت معنا الصلاة ؟)) قال : نعم . ومن حديث أبى أمامة وفيه ((ثم شهدت الصلاة معنا)) قال : نعم ... الحديث)) .

21 حديث ((المستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزىء بآيات الله)) أخرجه ابن أبى الدنيا فى التوبة ومن طريقة البيهقي فى الشعب من حديث ابن عباس بلفظ ((كالمستهزىء بربه)) وسنده ضعيف . {ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2498)، والضعيفة (616)} .

22 حديث بعض الصحابة فى قوله تعالى : ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ الآية ((كان لنا امانان ذهب أحدهما)) أخرجه احمد من قول أبى موسى الأشعرى، ورفعه الترمذى من حديثه ((أنزل الله على أمانين ... الحديث)) وضعفه . وابن مردوية فى تفسيره من ولابن عباس . {ضعفه الألباني في الضعيفة (1690)} .

23 حديث ((ما أصر من استغفر ... الحديث)) تقدم فى الدعوات . {ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (5004)} .