الركن الثالث

في تمام التوبة وشروطها ودوامها إلى آخر العمر

قد ذكرنا ان التوبة عبارة عن ندم يورث عزما وقصدا ، وذلك الندم أورثه العلم بكون المعاصى حائلا بينه وبين محبوبه ، ولكل واحد من العلم والندم والعزم دوام وتمام ، ولتمامها علامة ، ولدوامها شرط فلا بد من بيانها : أما العلم فالنظر فيه نظر في سبب التوبة وسيأتى . وأما الندم فهو توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب ، وعلامته طول الحسرة والحزن وانسكاب الدمع وطول البكاء والفكر ، فمن استشعر عقوبة نازلة بولده أو ببعض أعزته طال عليه مصيبته وبكاؤه ، وأى عزيز أعز عليه من نفسه ، وأى عقوبة أشد من النار ، وأى شيء أدل على نزول العقوبة من المعاصى ، وأى مخبر أصدق من الله ورسوله ؟ ولو حدثه إنسان واحد يسمى طبيبا : أن مرض ولده المريض لا يبرأ وأنه سيموت منه ، لطال في الحال حزنه ، فليس ولده بأعز من نفسه ، ولا الطبيب بأعلم ولا أصدق من الله ورسوله ، ولا الموت بأشد من النار ولا المرض بأدل على الموت من المعاصى على سخط الله تعالى والتعرض بها للنار ، فألم الندم كلما كان أشد كان تكفير الذنوب به أرجى ، فعلامة صحة الندم رقة القلب وغزارة الدمع وفى الخبر : (( جالسوا التوابين فانهم أرق أفئدة ))[1] ومن علامته أن تتمكن مرارة تلك الذنوب في قلبه بدلا ، عن حلاوتها فيستبدل بالميل كراهية وبالرغبة نفرة ، وفي الإسرائيليات : إن الله سبحانه وتعالى قال لبعض أنبيائه - وقد سأله قبول توبة عبد بعد أن اجتهد سنين قي العبادة ولم ير قبول توبته - فقال : وعزتى وجلالى لو شفع فيه أهل السموات والأرض ما قبلت توبته وحلاوة ذلك الذنب الذى تاب منه في قلبه .

فإن قلت : فالذنوب هى أعمال مشتهاة بالطبع فكيف يجد مرارتها ؟ فأقول : من تناول عسلا كان فيه سم ولم يدركه بالذوق واستلذه ثم مرض وطال مرضه وألمه وتناثر شعره وفلجت أعضاؤه فإذا قدم إليه عسل فيه مثل ذلك السم وهو فى غاية الجوع والشهوة للحلاوة فهل تنفر نفسه عن ذلك العسل أم لا ؟ فإن قلت : لا فهو جحد للمشاهدة والضرورة ، بل ربما تنفر عن العسل الذى ليس فيه سم أيضا لشبهه به ، فوجدان التائب مرارة الذنب كذلك يكون ، وذلك لعلمه بأن كل ذنب فذوقه ذوق العسل وعمله عمل السم ، ولا تصح التوبة ولا تصدق إلا بمثل هذا الإيمان ، ولم عز مثل هذا الإيمان عزت التوبة والتائبون ، فلا ترى إلا معرضا عن الله تعالى متهاونا بالذنوب مصرا عليها ، فهذا شرط تمام الندم ، وينبغى أن يدوم إلى الموت ، وينبغى أن يجد هذه المرارة فى جميع الذنوب ، وإن لم يكن قد ارتكبها من قبل ، كما يجد متناول السم في العسل النفره من الماء البارد مهما علم أن فيه مثل ذلك السم ، إذ لم يكن ضرره من العسل بل مما فيه ولم يكن ضرر التائب من سرقته وزناه من حيث أنه سرقة وزنا بل من حيث انه من مخالفة أمر الله تعالى وذلك جار في كل ذنب ، وأما القصد الذى ينبعث منه هو أرادة التدارك فله تعلق بالحال ، وهو يوجب ترك كل محظور هو ملابس له وأداء كل فرض وهو متوجه عليه في الحال ، وله تعلق بالماضى ، وهو تدارك ما فرط . وبالمستقبل وهو دوام الطاعة ودوام ترك المعصية الى الموت ، وشرط صحتها فيما يتعلق بالماضى أن يرد فكره إلى أول يوم بلغ فيه بالسن أو الاحتلام ، ويفتش عما مضى من عمره سنة سنة وشهرا شهرا ويوما يوما ونفسا نفسا وينظر الى الطاعات ما الذى قصر فيه منها ؟ وإلى المعاصى ما الذى قارفه منها ؟ فإن كان قد ترك صلاة أو صلاها فى ثوب نجس أو صلاها في بنية غير صحيحة لجهله بشرط النية فيقضيها عن آخرها ، فإن شك في عدد ما فاته منها حسب من مدة بلوغه وترك القدر الذى يستيقن انه أداه ويقضى الباقى ، وله أن يأخذ فيه بغالب الظن ويصل اليه على سبيل التحرى والاجتهاد . وأما الصوم فإن كان قد تركه في سفر ولم يقضه ، أو أفطر عمدا أو نسى النبة بالليل ولم يقض فيتعرف مجموع ذلك بالتحرى والاجتهاد ، ويشتغل بقضائه . وأما الزكاة فيحسب جميع ماله ، وعدد السنين من أول ملكه - لا من زمان البلوغ فإن الزكاة واجبه في مال الصبى - فيؤدي ما علم بغالب الظن انه في ذمته ، فإن أداه لا على وجه يوافق مذهبه بأن لم يصرف الى الأصناف الثمانية ، أو أخرج البدل وهو على مذهب الشافعى رحمه الله تعالى فيقضى جميع ذلك ، فإن ذلك لا يجزيه أصلا ، وحساب الزكاة ومعرفة ذلك يطول ويحتاج فيه الى تأمل شاف ، ويلزمه ان يسأل عن كيفية الخروج عنه من العلماء . وأما الحج فإن كان قد استطاع فى بعض السنين ولم يتفق له الخروج ، والآن قد افلس فعليه الخروج فإن لم يقدر مع الإفلاس فعليه أن يكتسب من الحلال قدر الزاد ، فإن لم يكن له كسب ولا مال فعليه أن يسأل الناس ليصرف إليه الزكاة أو الصدقات ما يحج به ، فإن إن مات قبل الحج مات عاصيا . قال عليه السلام : (( من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا ))[2] والعجز الطارىء بعد القدرة لا يسقط عنه الحج فهذا طريق تفتيشه عن الطاعات وتداركها . وأما المعاصى فيجب أن يفتش من أول بلوغه عن سمعه وبصره ولسانه وبطنه ويده ورجله وفرجه وسائر جوارحه ، ثم ينظر في جميع أيامه وساعاته ، ويفصل عند نفسه ديوان معاصيه حتى يطلع على جميعها ؛ صغائرها وكبائرها ثم ينظر فيها ، فما كان من ذلك بينه وبين الله تعالى من حيث لا يتعلق بمظلمة العباد ، كنظر الى غير محرم وقعود في مسجد مع الجنابة ومس مصحف بغير وضوء واعتقاد بدعة وشرب خمر وسماع ملاه وغيره ذلك مما لا يتعلق بمظالم العباد ، فالتوبة عنها بالندم والتحسر عليها وبأن يحسب مقدارها من حيث الكبر ومن حيث المدة ويطلب لكل معصية منها حسنة تناسبها فيأتى من الحسنات بمقدار تلك السيئات أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم : (( اتق الله حيث كنت وأتبع السيئة تمحها ))[3] بل من قوله تعالى : ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات  ﴾ ( هود : 114 )  فيكفر سماع الملاهى بسماع القرآن وبمجالس الذكر ، ويكفر القعود في المسجد جنبا بالاعتكاف فيه مع الاشتغال بالعبادة ، ويكفر مس المصحف محدثا بإكرام المصحف وكثرة قراءة القرآن منه وكثرة تقبيله بأن يكتب مصحفا ويجعله وقفا ، ويكفر شرب الخمر بالتصدق بشراب حلال هو أطيب منه وأحب إليه ، وعد جميع المعاصى غير ممكن وإنما المقصود سلوك الطريق المضادة فإن المرض يعالج بضده ، فكل ظلمة ارتفعت إلى القلب بمعصية فلا يمحوها إلا نور يرتفع إليها بحسنة تضادها ، والمتضادات هى المتناسبات فلذلك ينبغى أن تمحى كل سيئة بحسنة من جنسها لكن تضادها ، فإن البياض يزال بالسواد ، لا بالحرارة والبرودة ، وهذا التدريج والتحقيق من التلطف فى طريق المحو ، فالرجاء فيه أصدق والثقة به أكثر من أن يواظب على نوع واحد من العبادات ، وإن كان ذلك أيضا مؤثرا فى المحو فهذا حكم ما بينه وبين الله تعالى ، ويدل على أن الشىء يكفر بضده أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وأثر اتباع الدنيا في القلب السرو بها والحنين إليها فلا جرم كان كل أذى يصيب المسلم ينبو بسببه قلبه عن الدنيا يكون كفارة له إذ القلب يتجافى بالهموم والغموم عن دار الهموم ، قال صلى الله عليه وسلم : (( من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهموم ))[4] وفى لفظ آخر (( إلا الهم بطلب المعيشة )) وفى حديث عائشة رضى الله عنها : (( إذا كثرت ذنوب العبد ، ولم تكن له أعمال تكفرها أدخل الله تعالى عليه الهموم فتكون كفارة لذنوبه ))[5] ويقال : إن الهم الذى يدخل على القلب والعبد لا يعرف هو ظلمه الذنوب والهم بها ، وشعور القلب بوقفه الحساب وهول المطلع .

 فإن قلت : هم الإنسان غالبا بما له وولده وجاهه وهو خطيئة فكيف يكون كفارة ؟ فاعلم أن الحب له خطيئة والحرمان عنه كفارة ولو تمتع به لتمت الخطيئة ، فقد روى أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام فى السجن فقال له : كيف تركت الشيخ الكئيب ؟ فقال : قد حزن عليك حزن مائة ثكلى . قال : فما له عند الله ؟ قال : أجر مائة شهيد . فإذن الهموم أيضا مكفرات حقوق الله فهذا حكم ما بينه وبين الله تعالى . وأما مظالم العباد ففيها أيضا معصية وجناية على حق الله تعالى ، فإن الله تعالى نهى عن ظلم العباد أيضا ، فما يتعلق منه بحق الله تعالى تداركه بالندم والتحسر وترك مثله في المستقبل والإتيان بالحسنات التى هى أضدادها ، فيقابل إيذاءه الناس بالإحسان إليهم ، ويكفر غصب أموالهم بالتصدق بملكه الحلال ، ويكفر تناول أعراضهم بالغيبة والقدح فيهم بالثناء على أهل الدين وإظهار ما يعرف من خصال الخير من أقرانه وأمثاله ، ويكفر قتل النفوس بإعتاق الرقاب لأن تلك إحياء ، إذ العبد مفقود لنفسه موجود لسيده ، والإعتاق إيجاد لا يقدر الإنسان على أكثر منه فيقابل الإعدام بالإيجاد ، وبهذا تعرف أن ما ذكرناه من سلوك طريق المضادة في التكفير والمحو مشهود له في الشرع حيث كفر القتل بإعتاق رقبة ، ثم إذا فعل ذلك كله لم يكفه ما لم يخرج عن مظالم العباد ، ومظالم العباد إما فى النفوس أو الأموال أو الأعراض أو القلوب أعنى به الإيذاء المحض . أما النفوس فإن جرى عليه قتل خطأ فنوبته بتسليم الدية ووصولها الى المستحق إما منه أو من عاقلته وهو فى عهدة ذلك قبل الوصول ، وإن كان عمدا موجبا للقصاص فبالقصاص ، فإن لم يعرف فيجب عليه أن يتعرف عند ولى الدم ويحكمه فى روحه فإن شاء عفا عنه وإن شاء قتله ولا تسقط عهدته إلا بهذا ، ولا يجوز له الإخفاء وليس هذا كما لو زنى أو شرب أو سرق أو قطع الطريق أو باشر ما يجب عليه فيه حد الله تعالى فإنه لا يلزمه فى التوبة أن يفضح نفسه ويهتك ستره ويلتمس من الوالى استيفاء حق الله تعالى ، بل عليه أن بستر الله تعالى ويقيم حد الله ، على نفسه بأنواع المجاهدة والتعذيب ، فالعفو فى محض حقوق الله تعالى قريب من التائبين النادمين فإن أمر هذه الى الوالى حتى أقام عليه الحد وقع موقعه وتكون توبته صحيحة مقبوله عند الله تعالى بدليل ما روى أن ما عز بن مالك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنى قد ظلمت نفسى وزنيت ، وإنى أريد أن تطهرنى ، فرده ، فلما كان من الغد اتاه فقال : يا رسول الله إنى قد زنيت ، فرده الثانية ، فلما كان فى الثالثة ، أمر به فحفر له حفرة ثم أمر به فرجم ، فكان الناس فيه فريقين : فقائل يقول لقد هلك وأحاطت به خطيئته ، وقائل يقول ما توبة أصدق من توبته . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لو سعتهم ))[6] . وجاءت الغامدية فقالت : يا رسول الله إنى قد زنيت فطهرنى ، فردها ، فلما كان من الغد قالت : يا رسول الله لم تردنى لعلك تريد أن ترددنى كما رددت ما عزا فو الله إنى لحبلى ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( أما الآن فاذهبي حتى تضعي )) ، فلما ولدت أتت بالصبى فى خرقة فقالت : هذا قد ولدته ، قال : (( اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه )) فلما فطمته أتت بالصبي وفى يده كسرة خبز فقالت : يانبى الله قد فطمته وقد أكل الطعام ، فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها ، فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجهه فسبها ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال : (( مهلا يا خالد فو الذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له )) ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت[7] .

وأما القصاص وحد القذف : فلا بد من تحليل صاحبه المستحق فيه ، وإن كان المتناول مالا تناوله بغصب أو خيانة أو غبن فى معاملة بنوع تلبيس كترويج زائف أو ستر عيب من المبيع أو نقص أجرة أجير أو منع اجرته فكل ذلك يجب أن يفتش عنه لا من حد بلوغه بل من أول مدة وجوده ، فإن ما يجب فى مال الصبى يجب على الصبي إخراجه بعد البلوغ إن كان الولى قد قصر فيه ، فإن لم يفعل كان ظالما مطالبا به إذ يستوى فى الحقوق المالية الصبي والبالغ وليحاسب نفسه على الحبات والدوانق من أول يوم حياته إلى يوم توبته قبل أن يحاسب فى القيامة ، وليناقش قبل أن يناقش ، فمن لم يحاسب نفسه فى الدنيا طال فى الآخرة حسابه ، فإن حصل مجموع ما عليه بظن غالب ونوع من الاجتهاد ممكن فليكتبه وليكتب أسامى أصحاب المظالم واحدا واحدا ، وليطف فى نواحى العالم وليطلبهم وليستحلهم أو ليؤد حقوقهم ، وهذه التوبة تشق على الظلمة وعلى التجار فإنهم لا يقدرون على طلب المعاملين كلهم ولا على طلب ورثتهم ، ولكن على كل واحد منهم أن يفعل منه ما يقدر عليه فإن عجز فلا يبقى له طريق إلا أن يكثر من الحسنات حتى تفيض عنه يوم القيامة فتؤخذ حسناته وتوضع فى موازين أرباب المظالم ، ولكن كثرة حسناته بقدر كثرة مظالمه فإنه إن لم تف بها حسناته حمل من سيئاته أرباب المظالم فيهلك بسيئات غيره ، فهذا طريق كل تائب فى رد المظالم وهذا يوجب استغراق العمر فى الحسنات لو طال العمر بحسب طول مدة الظلم فكيف وذلك مما لا يعرف ؟ وربما يكون الأجل قريبا ؟ فينبغى أن يكون تشميرة للحسنات ، والوقت ضيق أشد من تشميرة الذى كان فى المعاصى فى متسع الأوقات ، هذا حكم المظالم الثابتة فى ذمته .

 أما أمواله الحاضرة : فليرد إلى المالك ما يعرف له مالكا معينا وما لا يعرف له مالكا فعليه أن يتصدق به ، فإن اختلط الحلال بالحرام فعليه أن يعرف قدر الحرام بالاجتهاد ، ويتصدق بذلك المقدار كما سبق تفصيله فى كتاب الحلال والحرام .

وأما الجناية على القلوب بمشافهة الناس بما يسوؤهم أو يعيهم فى الغيبة فيطلب كل من تعرض له بلسان أو آذى قلبه بفعل من أفعاله وليستحل واحدا واحدا منهم ، ومن مات أو غاب فقد فات أمره ولا يتدارك إلا بتكثير الحسنات لتؤخذ منه عوضا فى القيامة ، وأما من وجده وأحله بطيب قلب منه فذلك كفارته ، وعليه أن يعرفه قدر جنايته ، وتعرضه له فالاستحلال المبهم لا يكفى ، وربما لو عرف ذلك وكثرة تعدية عليه لم تطب نفسه بالإحلال وادخر ذلك فى القيامة ذخيرة يأخذها من حسناته أو يحمله من سيئاته ، فإن كان فى جملة جنايته على الغير ما لو ذكره وعرفه لتأذى بمعرفته كزناه بجاريته أو أهله أو نسبته باللسان إلى عيب من خفايا عيوبه يعظم أذاه مهما شوفة به فقد انسد عليه طريق الاستحلال ، فليس له إلا أن يستحل منها ثم تبقى له مظلمة فليجبرها بالحسنات كما يجبر مظلمة الميت والغائب .

 وأما الذكر والتعريف : فهو سيئة جديدة يجب الاستحلال منها ، ومهما ذكر جنايته وعرفه المجنى عليه فلم تسمح نفسه بالاستحلال بقيت المظلمة عليه فإن هذا حقه ، فعليه أن يتلطف به ويسعى فى مهماته وأغراضه ويظهر من حبه والشفقه عليه ما يستميل به قلبه ، فإن الإنسان عبد الإحسان وكل من نفر بسيئة مال بحسنة فإذا طاب قلبه بكثرة تودده وتلطفه سمحت نفسه بالإحلال ، فإن أبى إلا الإصرار فيكون تلطفه به واعتذاره إليه من جملة حسناته التى يمكن أن يجبر بها فى القيامة جنايته ، وليكن قدر سعيه فى فرحه وسرور قلبه بتودده وتلطفه كقدر سعيه فى اذاه ، حتى إذا قاوم أحدهما الآخر أو زاد عليه أخذ ذلك منه عوضا فى القيامة بحكم الله به عليه ، كمن أتلف فى الدنيا ما لا فجاء بمثله فامتنع من له المال من القبول وعن الإبراء فإن الحاكم يحكم عليه بالقبض منه شاء أم أبى ، فكذلك يحكم فى صعيد القيامة أحكم الحاكمين وأعدل المقسطين . وفى المتفق عليه من الصحيحين عن أبى سعيد الخدرى أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال : (( كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا ، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة ؟ قال : لا،  فقتله ، فكمل به مائة . ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال له : إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ قال : نعم ، ومن يحول بينه وبين التوبة ، انطلق إلى الأرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله عز وجل فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة ، وملائكة العذاب ، فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله . وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط . فأتاهم ملك فى صورة آدمي فجعلوه حكما بينهم فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى  فهو له . فقاسوا ، فوجوده أدنى إلى الأرض التى أراد ، فقبضته ملائكة الرحمة ))[8] وفى رواية (( فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر فجعل من أهلها )) وفى رواية (( فأوحى الله تعالى الى هذه أن تباعدى وإلى هذه أن تقربى ، وقال : قيسوا ما بينهما ، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر ، فغفر له )) فبهذا تعرف أنه لاخلاص إلا برجحان ميزان الحسنات ولو بمثقال ذرة ، فلا بد للتائب من تكثير الحسنات ، هذا حكم القصد المتعلق بالماضى .

 وأما العزم المرتبط بالاستقبال فهو أن يعقد مع الله عقدا مؤكدا ويعاهده بعهد وثيق أن لا يعود إلى تلك الذنوب ولا إلى أمثالها ، كالذى يعلم فى مرضه أن الفاكهة تضره مثلا فيعزم عزما جزما أنه لا يتناول الفاكهة ما لم يزل مرضه ، فإن هذا العزم يتأكد فى الحال وإن كان يتصور أن تغلبه الشهوة فى ثانى الحال ، ولكن لا يكون تائبا ما لم يتأكد عزمه فى الحال ، ولا يتصور أن يتم ذلك للتائب فى أول أمره إلا بالعزلة والصمت وقلة الأكل والنوم وإحراز قوت حلال ، فإن كان له مال موروث حلال أو كانت له حرفة يكتسب بها قدر الكفاية فليقتصر عليه ، فإن رأس المعاصى أكل الحرام فكيف يكون تائبا مع الإصرار عليه ، ولا يكتفى بالحلال وترك الشبهات من لا يقدر على ترك الشهوات فى المأكولات والملبوسات ؟ وقد قال بعضهم : من صدق فى ترك شهوة وجاهد نفسه لله سبع مرار لم يبتل بها . وقال آخر : من تاب من ذنب واستقام سبع سنين لم يعد إليه أبدا . ومن مهمات التائب إذا لم يكن عالما أن يتعلم ما يجب عليه فى المستقبل وما يحرم عليه حتى يمكنه الاستقامه ، وإن لم يؤثر العزلة لم تتم له الاستقامة المطلقة إلا أن يتوب عن بعض الذنوب ، كالذى يتوب عن الشرب والزنا ، والغصب مثلا ، وليست هذه توبة مطلقة .

وقد قال بعض الناس : إن هذه التوبة لا تصح . وقال قائلون : تصح . ولفظ الصحة فى هذا المقام مجمل ، بل نقول لمن قال لا تصح : إن عنيت به أن تركه بعض الذنوب لا يفيد أصلا بلا وجوده كعدمه فما أعظم خطأك ، فإنا نعلم أن كثرة الذنوب سبب لكثرة العقاب ، وقلتها سبب لقلته . ونقول لمن قال تصح : إن أردت به أن التوبة عن بعض الذنوب توجب قبولا يوصل الى النجاة أو الفوز فهذا أيضا خطأ ، بل النجاة والفوز بترك الجميع . هذا حكم الظاهر ولسنا نتكلم فى خفايا أسرار عفو الله ، فإن قال من ذهب إلى أنها لا تصح إنى أردت به أن التوبة عبارة عن الندم ، وإنما يندم على السرقة مثلا لكونها معصية لا لكونها سرقة ، ويستحيل أن يندم عليها دون الزنا إن كان توجعه لأجل المعصية ، فإن العلة شاملة لهما ، إذ من يتوجع على قتل ولده بالسيف يتوجع على قتله بالسكين لأن توجعه بفوات محبوبه سواء كان بالسيف أو بالسكين ، فكذلك توجع العبد بفوات محبوبه وذلك بالمعصية سواء عصى بالسرقة أو الزنا فكيف يتوجع على البعض دون البعض ؟ فالندم حالة يوجبها العلم بكون المعصية مفوتة للمحبوب من حيث إنها معصية فلا يتصور أن يكون على بعض المعاصى دون البعض ، ولو جاز هذا لجاز أن يتوب من شرب الخمر من احد الدنين دون الآخر ، فإن استحال ذلك من حيث إن المعصية فى الخمرين واحد وإنما الدنان ظروف فكذلك أعيان المعاصى آلات للمعصية والمعصية من حيث مخالفة الأمر واحدة ، فإذن معنى عدم الصحة أن الله تعالى وعد التائبين رتبة وتلك الرتبة لا تنال إلا بالندم ، ولا يتصور الندم على بعض المتماثلات ، فهو كالملك المرتب على الإيجاب والقبول فإنه إذا لم يتم الإيجاب والقبول ، نقول : إن العقد لا يصح أى لم تترتب عليه الثمرة وهو الملك ، وتحقيق هذا أن ثمرة مجرد الترك أن ينقطع عنه عقاب ما تركه ، وثمرة الندم تكفير ما سبق ، فترك السرقة لا يكفر السرقة بل الندم عليها ولا يتصور الندم إلا لكونها معصية وذلك يعم جميع المعاصى ، وهو كلام مفهوم واقع يستنطق المنصف بتفصيل به ينكشف الغطاء .

 فنقول : التوبة عن بعض الذنوب لا تخلو إما أن تكون عن الكبائر دون الصغائر ، أو عن الصغائر دون الكبائر ، أو عن كبيرة دون كبيرة . أما التوبة عن الكبائر دون الصغائر فأمر ممكن لأنه يعلم أن الكبائر أعظم عند الله وأجلب لسخط الله ومقته ، والصغائر أقرب إلى تطرق العفو إليها فلا يستحيل أن يتوب عن الأعظم ويتندم عليه ، كالذى يجنى على أهل الملك وحرمه ويجنى على دابته ، فيكون خائفا من الجناية على الأهل مستحقرا للجناية على الدابة والندم بحسب استعظام الذنب واعتقاد كونه مبعدا عن الله تعالى .  وهذا ممكن وجوده فى الشرع فقد كثر التائبون فى الأعصار الخاليه ، ولم يكن أحد منهم معصوما فلا تستدعى التوبة العصمة . والطبيب قد يحذر المريض العسل تحذيرا شديدا ، ويحذره السكر تحذيرا أخف منه على وجه يشعر معه أنه ربما لا يظهر ضرر السكر أصلا ، فيتوب المريض بقوله عن العسل دون السكر ، فهذا غير محال وجوده وإن أكلهما جميعا ، بحكم شهوته ندم على أكل العسل دون السكر .

 الثانى : أن يتوب عن بعض الكبائر دون بعض ، وهذا أيضا ممكن لاعتقاده أن بعض الكبائر أشد وأغلظ عند الله ، كالذى يتوب عن القتل والنهب والظلم ومظالم العباد لعلمه أن ديوان العباد لا يترك وما بينه وبين الله يتسارع العفو إليه ، فهذا أيضا ممكن كما فى تفاوت الكبائر والصغائر ، لأن الكبائر أيضا متفاوتة فى أنفسها وفى اعتقاد مرتكبها ، ولذلك قد يتوب عن بعض الكبائر التى لا تتعلق بالعباد كما يتوب عن شرب الخمر دون الزنا مثلا ، إذ يتضح له أن الخمر مفتاح الشرور وأنه إذا زال عقله ارتكب جميع المعاصى وهو لا يدرى فبحسب ترجح شرب الخمر عنده ينبعث منه خوف يوجب ذلك تركا فى المستقبل وندما على الماضى .

 الثالث : أن يتوب عن صغيرة أو صغائر وهو مصر على كبيرة يعلم أنها كبيرة ، كالذى يتوب عن الغيبة او عن النظر إلى غير المحرم أو ما يجرى مجراه وهو مصر على شرب الخمر ، فهو أيضا ممكن ، ووجه إمكانة أنه ما من مؤمن إلا وهو خائف من معاصية ونادم على فعله ندما إما ضعيفا وإما قويا . ولكن تكون لذة نفسه فى تلك المعصية أقوى من ألم قلبه فى الخوف منها لأسباب توجب ضعف الخوف من الجهل والغفلة ، وأسباب توجب قوة الشهوة فيكون الندم موجودا ، نولكن لا يكون مليا بتحريك العزم ولا قويا عليه ، فإن سلم عن شهوة أقوى منه بأن لم يعارضه إلا ما هو أضعف قهر الخوف الشهوة وغلبها وأوجب ذلك ترك المعصية ، وقد تشتد ضراوة الفاسق بالخمر فلا يقدر على الصبر عنه ، وتكون له ضراوة ما بالغيبة وثلب الناس والنظر إلى غير المحرم ، وخوفة من الله قد بلغ مبلغا يقمع هذه الشهوة الضعيفة دون القوية فيوجب عليه جند الخوف انبعاث العزم للترك ، بل يقول هذا الفاسق فى نفسه إن قهرنى الشيطان بواسطة غلبه الشهوة فى بعض المعاصى ، فلا ينبغى أن أخلع العذار وأرخى العنان بالكلية بل أجاهده فى بعض المعاصى ، فعسانى أغلبه فيكون قهرى له فى البعض كفارة لبعض ذنوبى ، ولو لم يتصور هذا لما تصور من الفاسق أن يصلى ويصوم ، ولقيل له : إن كانت صلاتك لغير الله فلا تصح ، وإن كانت لله فاترك الفسق لله فإن أمر الله فيه واحد ، فلا يتصور أن تقصد بصلاتك التقرب إلى الله تعالى ما لم تتقرب بترك الفسق ، وهذا محال بأن يقول : لله تعالى على أمران ولى على المخالفة فيهما عقوبتان ، وأناملى فى أحدهما بقهر الشيطان عاجز عنه فى الآخرة ، فأنا أقهره فيما أقدر عليه ، وأرجو بمجاهدتى فيه أن يكفر عنى بعض ما عجزت عنه بفرط شهوتى فكيف لا يتصور هذا وهو حال كل مسلم ؟ إذ لا مسلم إلا وهو جامع بين طاعة الله ومعصيته ولاسبب له إلا هذا ، وإذا فهم هذا ، فهم أن غلبة الخوف للشهوة فى بعض الذنوب ممكن وجودها ، والخوف إذا كان من فعل ماض أورث الندم ، والندم يورث العزم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( الندم توبة )) ولم يشترط الندم على كل ذنب وقال : (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له )) ولم يقل التائب من الذنوب كلها . وبهذه المعانى تبين سقوط قول القائل إن التوبة عن بعض الذنوب غير ممكنة لأنها متمائلة فى حق الشهوة وفى حق التعرض إلى سخط الله تعالى ، نعم يجوز أن يتوب عن شرب الخمر دون النبيذ لتفاوتهما فى اقتضاء السخط ، ويتوب عن الكثير دون القليل لأن لكثرة الذنوب تأثيرا فى كثرة العقوبة فيساعد الشهوة بالقدر الذي يعجز عنه ويترك بعض شهوته لله تعالى ، كالمريض الذى حذره الطبيب الفاكهة فإنه قد يتناول قليلها ولكن لا يستكثر منها ، فقد حصل من هذا أنه لا يمكن أن يتوب عن شىء ولا يتوب عن مثله بل لا بد وأن يكون ما تاب عنه مخالفا لما بقى عليه إما فى شدة المعصية وإما فى غلبة الشهوة ، وإذا حصل هذا التفاوت فى اعتقاد التائب تصور اختلاف حاله فى الخوف والندم ، فيتصور اختلاف حاله فى الترك ، فندمه على ذلك الذنب ، ووفاؤه بعزمه على الترك يلحقه بمن لم يذنب ، وإن لم يكن قد أطاع الله فى جميع الأوامر والنواهى .

فإن قلت : هل تصح توبة العنين من الزنا الذى قارفه قبل طريان العنة ؟ فأقول : لا ، لأن التوبة عبارة عن ندم يبعث العزم على الترك فيما يقدر على فعله ،ن وما لا يقدر على فعله فقد انعدم بنفسه لا بتركه إياه ، ولكنى أقول : لو طرأ عليه بعد العنة كشف ومعرفة تحقق به ضرر الزنا الذى قارفة ، وثار منه احتراق وتحسر وندم بحيث لو كانت شهوة الوقاع به باقية لكانت حرقة الندم تقمع تلك الشهوة وتغلبها فإنى أرجو أن يكون ذلك مكفرا لذنبه وما حيا عنه سيئته ، إذ لا خلاف فى أنه لو تاب قبل طريان العنة ومات عقيب التوبة كان من التائبين ، وإن لم يطرأ عليه حالة تهيج فيها الشهوة وتتيسر أسباب قضاء الشهوة ، ولكنه تائب باعتبار أن ندمه بلغ مبلغا أوجب صرف قصده ، عن الزنا ل