الركن الرابع
فى دواء التوبة وطريق العلاج لحل عقدة الإصرار

 اعلم أن الناس قسمان : شاب لا صبوة له نشأ على الخير واجتناب الشر وهو الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تعجب ربك من شاب ليست له صبوة ))[1] وهذا عزيز نادر . والقسم الثانى : هو الذى لا يخلو عن مقارفة الذنوب ، ثم هم ينقسمون إلى مصرين وإلى تائبين . وغرضنا أن نبين العلاج فى حل عقدة الإصرار ونذكر الدواة فيه . فاعلم ان شفاء التوبة لا يحصل إلا بالدواء ، ولا يقف على الدواء من لا يقف على الداء ، إذ لا معنى للدواء إلا مناقضة أسباب الداء ، فكل داء حصل من سبب فدواؤه حل ذلك السبب ورفعه ، وإبطاله . ولا يبطل الشىء لا بضده . ولا سبب للإصرار إلا الغفلة والشهوة ، ولا يضاد الغفلة إلا العلم ، ولا يضاد الشهوة إلا الصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة ، والغفلة رأس الخطايا ، قال الله تعالى : ﴿وأولئك هم الغافلون *  لا جرم أنهم فى الاخرة هم الخاسرون ﴾ (النحل : 108 ، 109) فلا دواء إذن للتوبة إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر ، وكما يجمع السكنجبين بين حلاوة السكر وحموضة الخل ، ويقصد بكل منهما غرض آخر فى العلاج بمجموعهما فيقمع الأسباب المهيجة للصفراء ، فهكذا ينبغى أن تفهم علاج القلب مما به من مرض الإصرار . فإن لهذا الدواء أصلان : أحدهما العلم ، والآخر الصبر ولا بد من بيانهما .

فإن قلت : أينفع كل علم لحل الإصرار أم لا بد من علم مخصوص ؟ فاعلم أن العلوم بجملتها أدوية لأمراض القلوب ولكن لكل مرض علم يخصه ، كما أن علم الطب نافع فى علاج الأمراض بالجملة ولكن يخص كل علة علم مخصوص فكذلك دواء الإصرار ، فلنذكر خصوص ذلك العلم على موازنة مرض الأبدان ، ليكون أقرب إلى الفهم فنقول : يحتاج المريض إلى التصديق بأمور : ( الأول )  : أن يصدق على الجملة بأن للمرض والصحة أسبابا يتوصل إليها بالاختيار على ما رتبه مسبب الأسباب ، وهذا هو الإيمان بأصل الطب ، فإن من لا يؤمن به لا يشتغل بالعلاج ويحق عليه الهلاك . وهذا وزانة مما نحن فيه الإيمان بأصل الشرع ، وهو أن للسعادة فى الآخرة سببا هو الطاعة ، وللشقاوة سببا هو المعصية ، وهذا هو الإيمان بأصل الشرائع ، وهذا لا بد من حصوله إما عن تحقيق أو تقليد وكلاهما من جملة الإيمان . ( الثانى ) : أنه لا بد أن يعتقد المريض فى طبيب معين أنه عالم بالطب حاذق فيه صادق فيما يعبر عنه لا يلبس ولا يكذب ، فإن إيمانه بأصل الطب لا ينفعه بمجرده دون هذا الإيمان ، ووزانه مما نحن فيه : العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان بأن كل ما يقوله حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف . ( الثالث  ) : أنه لا بد أن يصغى إلى الطبيب فيما يحذره عنه من تناول الفواكه والأسباب المضرة على الجملة حتى يغلب عليه الخوف فى ترك الاحتماء فتكون شدة الخوف باعثة له على الاحتماء . ووزانه من الدين : الإصغاء إلى الآيات والأخبار المشتملة على الترغيب فى التقوى والتحذير من ارتكاب الذنوب واتباع الهوى ، والتصديق بجميع ما يلقى إلى سمعه من ذلك من غير شك واسترابه حتى ينبعث به الخوف المقوى على الصبر الذى هو الركن الآخر فى العلاج . ( الرابع ) : أن يصغى إلى الطبيب فيما يخص مرضه وفيما يلزمه فى نفسه الاحتماء عنه ليعرفه أولا تفصيل ما يضره من أفعاله وأحواله ومأكوله ومشروبه ، فليس على كل مريض الاحتماء عن كل شىء ولا ينفعه كل دواء بل لكل علة خاصة علم خاص وعلاج خاص ، ووزانه من الدين : أن كل عبد فليس يبتلى بكل شهوة وارتكاب ذنب ، بل لكل مؤمن ذنب مخصوص أو ذنوب مخصوصة ، وإنما حاجته فى الحال مرهقة إلى العلم بأنها ذنوب ثم إلى العلم بآفاتها وقدر ضررها ، ثم العلم بكيفية التوصل إلى الصبر عنها ، ثم إلى العلم بكيفية تكفير ما سبق منها . فهذه علوم يختص بها أطباء الدين وهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، فالعاصى إن علم عصيانه فعليه طلب العلاج من الطبيب وهو العالم ، وإن كان لا يدرى أن ما يرتكبه ذنب فعلى العالم أن يعرفه ذلك ، وذلك بأن يتكفل كل عالم بإقليم أو بلدة أو محلة أو مسجد أو مشهد فيعلم أهله دينهم ويميز ما يضرهم عما ينفعهم وما يشقيهم عما يسعدهم ، ولا ينبغى أن يصبر إلى أن يسئل عنه ، بل ينبغى أن يتصدى لدعوة الناس إلى نفسه فإنهم ورثة الأنبياء ، والأنبياء ما تركوا الناس على جهلهم بل كانوا ينادونهم فى مجامعهم ويدورون على أبواب دورهم فى الابتداء ويطلبون واحدا واحدا فيرشدونهم ، فإن مرضى القلوب لا يعرفون مرضهم ، كما أن الذى ظهر على وجهه برص ولا مرآة معه لا يعرف برصه ما لم يعرفه غيره وهذا فرض عين على العلماء كافة . وعلى  السلاطين كافة أن يرتبوا فى كل قرية وفى كل محلة فقيها متدينا يعلم الناس دينهم ، فإن الخلق لا يولدون إلا جهالا ، فلا بد من تبليغ الدعوة إليهم فى الأصل والفرع والدنيا دار المرضى ، إذ ليس فى بطن الأرض إلا ميت ولا على ظهرها إلا سقيم . ومرض القلوب أكثر من مرض الأبدان . والعلماء أطباء ، والسلاطين قوام دار المرضى . فكل مريض لم يقبل العلاج بمداواة العالم يسلم إلى السلطان ليكف شره ، كما يسلم الطبيب المريض الذى لا يحتمى أو الذى غلب عليه الجنون إلى القيم ليقيده بالسلاسل والأغلال ويكف شره عن نفسه وعن سائر الناس . وإنما صار مرض القلوب أكثر من مرض الأبدان لثلاث علل : ( إحداها ) : أن المريض به لا يدرى أنه مريض .

و( الثانية ) : أن عاقبته غير مشاهدة فى هذا العالم بخلاف مرض البدن ،  فإن عاقبته موت مشاهد تنفر الطباع منه ، وما بعد الموت غير مشاهد ، وعاقبة الذنوب موت القلب ، وهو غير مشاهد فى هذا العالم فقلت النفرة عن الذنوب وإن علمها مرتكبها ، فلذلك تراه يتكل على فضل الله فى مرض القلب ويجتهد فى علاج مرض البدن من غير اتكال . و ( الثالثة ) : وهو الداء العضال : فقد الطبيب ، فإن الأطباء هم العلماء ، وقد مرضوا فى هذه الأعصار مرضا شديدا عجزوا عن علاجه ، وصارت لهم سلوة فى عموم المرض حتى لا يظهر نقصانهم ، فاضطروا إلى إغواء الخلق والإشارة عليهم بما يزيدهم مرضا ، لأن الداء المهلك هو حب الدنيا ، وقد غلب هذا الداء على الأطباء فلم يقدروا على تحذير الخلق منه استنكافا من أن يقال لهم : فما بالكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم ؟ فبهذا السبب عم على الخلق الداء وعظم الوباء وانقطع الدواء وهلك الخلق لفقد الأطباء ، بل اشتغل الأطباء بفنون الإغواء فليتهم إذ لم ينصحوا لم يغشوا ، وإذا لم يصلحوا لم يفسدوا ، وليتهم سكتوا وما نطقوا ، فإنهم إذا تكلموا لم يهمهم فى مواعظهم إلا ما يرغب العوام ويستميل قلوبهم ، ولا يتوصلون إلى ذلك إلا بالإرجاء ، وتغليب أسباب الرجاء وذكر دلائل الرحمة ، لأن ذلك الذ فى الأسماع وأخف على الطباع،  فتنصرف الخلق عن مجالس الوعظ وقد استفادوا مزيد جراءة على المعاصى ومزيد ثقة بفضل الله . ومهما كان الطبيب جاهلا أو خائبا أهلك بالدواء حيث يضعه فى غير موضعه . فالرجاء والخوف دواءان ولكن لشخصين متضادى العلة . أما الذى غلب عليه الخوف حتى هجر الدنيا بالكلية وكلف نفسه ما لا تطيق وضيق العيش على نفسه بالكلية : فتكسر سورة إسرافه فى الخوف بذكر أسباب الرجاء ليعود إلى الاعتدال . وكذلك المصر على الذنوب المشتهى للتوبة الممتنع عنها بحكم القنوط واليأس استعظاما لذنوبه التى سبقت ؛ يعالج أيضا بأسباب الرجاء حتى يطمع فى قبول التوبة فيتوب . فأما معالجة المغرور المسترسل فى المعاصى بذكر أسباب الرجاء فيضاهى معالجة المحرور بالعسل طلبا للشفاء ، وذلك من دأب الجهال والأغبياء ، فإذن فساد الأطباء هى المعضلة الزباء التى لا تقبل الدواء أصلا.

 

فإن قلت : فاذكر الطريق الذى ينبغى أن يسلكه الواعظ فى طريق الوعظ مع الخلق . فاعلم أن ذلك يطول ولا يمكن استقصاؤه ، نعم نشير إلى الأنواع النافعة فى حل عقدة الإصرار وحمل الناس على ترك الذنوب ، وهى أربعة أنواع : ( الأول ) : أن يذكر ما فى القرآن من الآيات المخوفة للمذنبين والعاصين ، وكذلك ما ورد من الأخبار والآثار مثل قوله صلى الله عليه وسلم : (( ما من يوم طلع فجره ولا ليلة غاب شفقها إلا  وملكان يتجاوبان بأربعة أصوات يقول أحدهما : يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا ، ويقول الآخر : يا  ليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا ، فيقول الآخر : يا ليتهم إذ علموا لماذا خلقوا عملوا بما علموا ))[2] وفى بعض الروايات : (( ليتهم تجالسوا فتذكروا ما علموا ، ويقول الآخر : يا ليتهم إذ لم يعلموا بما يعملوا تابوا مما عملوا )) وقال بعض السلف : إذا اذنب العبد أمر صاحب اليمين صاحب الشمال - وهو أمير عليه - أن يرفع القلم عنه ست ساعات فإن تاب واستغفر لم يكتبها عليه وإن لم يستغفر كتبها [3] . وقال بعض السلف : ما من عبد يعصى إلا استأذن مكانه من الأرض أن تخسف له ، واستأذن سقفه من السماء أن يسقط عليه كسفا ، فيقول الله تعالى للأرض والسماء : كفا عن عبدى وأمهلاه فإنكما لم تخلقاء ، ولو خلقتماه لرحمتماه ، ولعله يتوب إلى فأغفر له ولعله يستبدل صالحا فأبدله له حسنات . فذلك معنى قوله تعالى : ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن امسكهما من أحد من بعده ﴾ (فاطر : 41) وفى حديث عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه : (( الطابع معلق بقائمة العرش فإذا انتهكت الحرمات واستحلت المحارم أرسل الله الطابع فيطبع على القلوب بما فيها ))[4] وفى حديث مجاهد : (( القلب مثل الكف المفتوحة كلما أذنب العبد ذنبا انقبضت أصبع حتى تنقبض الأصابع كلها فيسد على القلب فذلك هو الطبع ))[5] وقال الحسن : إن بين العبد وبين الله حدا من المعاصى معلوما إذا بلغه العبد طبع الله على قلبه فلم يوفقه بعدها لخير . والأخبار والآثار فى ذم المعاصى ومدح التائبين لا تحصى ، فينبغى أن يستكثر الواعظ منها إن كان وارث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه ما خلف دينارا ولا درهما ، إنما خلف العلم والحكمة وورثه كل عالم بقدر ما أصابه [6] .

 (النوع الثانى ) : حكايات الأنبياء والسلف الصالحين وما جرى عليهم من المصائب بسبب ذنوبهم ، فذلك شديد الوقع ظاهر النفع فى قلوب الخلق . مثل أحوال آدم صلى الله عليه وسلم فى عصيانه ، وما لقيه من الإخراج من الجنة ، حتى روى : أنه لما أكل من الشجرة تطايرت الحلل عن جسده وبدت عورته ، فاستحيا التاج والإكليل من وجهه أن يرتفعا عنه ، فجاءه جبريل عليه السلام فأخذ التاج عن رأسه وحل الإكليل عن جبينه ، ونودى من فوق العرش : اهبطا من جوارى فإنه لا يجاورنى من عصانى ، قال : فالتفت آدم إلى حواء باكيا وقال : هذا أول شؤم المعصية أخرجنا من جوار الحبيب.

 وروى : أن سليمان بن داود عليهما السلام لما عوقب على خطيئته لأجل التمثال الذى عبد فى داره أربعين يوما وقيل : لأن المرأة سألته أن بحكم لأبيها فقال : نعم ، ولم يفعل ، وقيل : بل أحب بقلبه أن يكون الحكم لأبيها على خصمه لمكانها منه ، فسلب ملكه أربعين يوما ، فهرب تائها على وجهه فكان يسأل بكفه فلا يطعم ، فإذا قال : أطعموني فإنى سليمان بن داود رشج وطرد وضرب . وحكى أنه استطعم من بيت لامرأته فطردته وبصقت فى وجهه ، وفى رواية أخرجت عجوز جرة فيها بول فصبته على رأسه إلى أن أخرج الله الخاتم من بطن الحوت فلبسه بعد انقضاء الأربعين ( أيام العقوبة ) ، قال فجاءت الطيور فعكفت على رأسه وجاءت الجن والشياطين والوحوش فاجتمعت حوله فاعتذر إليه بعض من كان جنى عليه فقال : لا ألومكم فيما فعلتم من قبل ولا أحمدكم فى عذركم الآن ، إن هذا أمر كان من السماء ولا بد منه .

وروى فى الإسرائيليات : أن رجلا تزوج أمرأة من بلدة أخرى ، فأرسل عبده ليحملها إليه ، فراودته نفسه وطالبته بها ، فجاهدها واستعصم . قال : فنبأه الله ببركة تقواه فكان نبيا فى بنى إسرائيل .

 وفى قصص موسى عليه السلام : أنه قال للخضر عليه السلام : بم أطلعك الله على علم الغيب ؟ قال : بتركى المعاصى لأجل الله تعالى .

وروى : أن الريح كانت تسير بسليمان عليه السلام فنظر إلى قميصه نظرة وكان جديدا فكأنه أعجبه ، قال : فوضعته الريح ، فقال : لم فعلت هذا ولم آمرك ؟ قالت : إنما نطيعك إذا أطعت الله .

وروى : أن الله تعالى أوحى إلى يعقوب عليه السلام : أتدرى لم فرقت بينك وبين ولدك يوسف ؟ قال : لا . قال : لقولك لإخوته : ﴿ أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ﴾ (يوسف : 13)  لم خفت عليه الذئب ولم ترجنى ، ولم نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظى له . وتدرى لم رددته عليك؟ قال: لا، قال: لأنك رجوتني وقلت: ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم جميعا﴾ (يوسف : 83) وبما قلت : ﴿اذهبو فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا ﴾ (يوسف : 87) وكذلك لما قال يوسف لصاحب الملك : ﴿اذكرني عند ربك ﴾ (يوسف : 42) ، قال الله تعالى : ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين﴾ (يوسف : 42) . وأمثال هذه الحكايات لا تنحصر ولم يرد بها القرآن والأخبار ورود الأسحار ، بل الغرض بها الاعتبار والاستبصار لتعلم أن الانبياء عليهم السلام لم يتجاوز عنهم فى الذنوب الصغار فكيف يتجاوز عن غيرهم فى الذنوب الكبار ؟ نعم كانت سعادتهما فى أن عوجلوا بالعقوبة ولم يؤخروا إلى الآخرة ، والأشقياء يمهلون ليزدادوا إثما ولأن عذاب الآخرة أشد وأكبر ، فهذا أيضا مما ينبغى أن يكثر جنسه على أسماع المصرين فإنه نافع فى تحريك دواعى التوبة .

( النوع الثالث ) : أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة فى الدنيا متوقع على الذنوب ، وأن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته ، فرب عبد يتساهل فى أمر الآخرة ويخاف من عقوبة الله فى الدنيا اكثر لفرط جهله ، فينبغى أن يخوف به ، فإن الذنوب كلها يتعجل فى الدنيا شؤمها فى غالب الأمر ، كما حكى فى قصة داود وسليمان عليهما السلام ، حتى إنه قد يضيق على العبد رزقه بسبب ذنوبه وقد تسقط منزلته من القلوب ويستولى عليه أعداؤه ، قال صلى الله عليه وسلم : (( إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ))[7] وقال ابن مسعود : إنى لأحسب أن العبد ينسى العلم بالذنب يصيبه ، وهو معنى قوله عليه السلام : (( من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا ))[8] .وقال بعض السلف : ليست اللعنة سوادا فى الوجه ونقصا فى المال ، إنما اللعنة أن لا تخرج من ذنب إلا وقعت فى مثله أو شر منه ، وهو كما قال ، لأن اللعنه هى الطرد والإبعاد فإذا لم يوفق للخير ويسر له الشر فقد أبعد ، والحرمان عن رزق التوفيق أعظم حرمان ، وكل ذنب فإنه يدعو إلى ذنب آخر ويتضاعف فيحرم العبد به عن رزقه النافع من مجالسة العلماء المنكرين للذنوب ، ومن مجالسة الصالحين ، بل يمقته الله تعالى ليمقته الصالحون . وحكى عن بعض العارفين : أنه كان يمشى فى الوحل جامعا ثيابه محترزا عن زلقة رجله حتى زلقت رجله وسقط ، فقام وهو يمشى فى وسط الوحل ويبكى ويقول : هذا مثل العبد لا يزال يتوقى الذنوب ويجانبها حتى يقع فى ذنب وذنبين فعندها يخوض فى الذنوب خوضا . وهو إشارة إلى أن الذنب تتعجل عقوبته بالانجرار الى ذنب آخر ، ولذلك قال الفضيل : ما أنكرت من تغير الزمان وجفاء الإخوان فذنوبك ورثتك ذلك ، وقال بعضهم : إنى لأعرف عقوبة ذنبى فى سوء خلق حمارى . وقال آخر : أعرف العقوبة حتى فى فأر بيتى . وقال بعض صوفية الشام : نظرت إلى غلام نصرانى حسن الوجه فوقفت أنظر إليه فمر بى ابن الجلاء الدمشقى فأخذ بيدى فاستحييت منه فقلت : يا ابا عبد الله سبحان الله تعجبت من هذه الصورة الحسنة وهذه الصنعة المحكمة كيف خلقت للنار ، فغمز يدي وقال : لتجدن عقوبتها بعد حين ، قال : فعوقبت بها بعد ثلاثين سنة . وقال أبو سليمان الدارانى : الاحتلام عقوبة . وقال : لا يفوت أحدا صلاة جماعة إلا بذنب يذنبه . وفى الخبر : (( ما أنكرتم من زمانكم فبما غيرتم من أعمالكم ))[9] وفى الخبر (( يقول الله تعالى : إن أدنى ما أصنع بالعبد إذا آثر شهوته على طاعتى أن أحرمه لذيذ مناجاتى ))[10] وحكى عن أبى عمرو بن علوان فى قصة يطول ذكرها قال فيها : كنت قائما ذات يوم أصلى فخار قلبى هوى طاولته بفكرتى حتى تولد منه شهوة الرجال ، فوقعت إلى الأرض واسود جسدى كله ، فاستترت فى البيت فلم أخرج ثلاثة أيام ، وكنت أعالج غسله فى الحمام بالصابون فلا يزداد إلا سوادا ، حتى انكشف بعد ثلاث ، فلقيت الجنيد وكان قد وجه إلى فأشخصنى من الرقة فلما أتيته قال لى : أما استحييت من الله تعالى ، كنت قائما بين يديه فساررت نفسك بشهوة حتى استولت عليك برقة وأخرجتك من بين يدي الله تعالى ، فلولا أنى دعوت الله لك وتبت إليه عنك للقيت الله بذلك اللون ، قال : فعجبت كيف علم بذلك وهو ببغداد وأنا بالرقة ؟

 واعلم أنه لا يذنب العبد ذنبا إلا ويسود وجه قلبه ، فإن كان سعيدا أظهر السواد على ظاهره لينزجر ، وإن كان شقيا أخفى عنه حتى ينهمك ويستوجب النار . والأخبار كثيرة فى آفات الذنوب فى الدنيا من الفقر والمرض وغيره ، بل من شؤم الذنب فى الدنيا على الجملة أن يكسب ما بعده صفته ، فإن ابتلى بشىء كان عقوبة له ويحرم جميل الرزق حتى يتضاعف شقاؤه ، وإن أصابته نعمة كانت استدراجا له ويحرم جميل الشكر حتى يعاقب على كفرانه ، وأما المطيع فمن بركة طاعته أن تكون كل نعمة فى حقه جزاء على طاعته ويوفق لشكرها ، وكل بلية كفارة لذنوبه وزيادة فى درجاته .

 

( النوع الرابع ) : ذكر ما ورد من العقوبات على آحاد الذنوب كالخمر والزنا والسرقة والقتل والغيبة والكبر والحسد ، وكل ذلك مما لا يمكن حصره ، وذكره مع غير أهله وضع الدواء فى غير موضعه ، بل ينبغى أن يكون العالم كالطبيب الحاذق ، فيستدل أولا بالنبض والسحنة ووجود الحركات على العلل الباطنة ويشتغل بعلاجها ، فيستدل بقرائن الأحوال على خفايا الصفات ، وليتعرض لما وقف عليه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال له واحد : أوصنى يا رسول الله ولا تكثر على ، قال : (( لا تغضب ))[11] وقال له آخر : أوصنى يا رسول الله ، فقال عليه السلام : (( عليك باليأس مما فى أيدي الناس فإن ذلك هو الغنى ، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر ، وصل صلاة مودع ، وإياك وما يعتذر منه ))[12] وقال رجل لمحمد بن واسع : أوصنى ، فقال : أوصيك أن تكون ملكا فى الدنيا والآخرة ، قال : وكيف لى بذلك ؟ قال : الزم الزهد فى الدنيا . فكأنه صلى الله عليه وسلم توسم فى السائل الأول مخايل الغضب فنهاه عنه وفى السائل الآخر مخايل الطمع فى الناس وطول الأمل . وتخيل محمد بن واسع فى السائل مخايل الحرص على الدنيا ، وقال رجل لمعاذ : أوصنى ، فقال : كن رحيما أكن لك بالجنة زعيما . فكأنه تفرس فيه آثار الفظاظة والغلظة ، وقال رجل لإبراهيم بن أدهم : أوصنى ، فقال : إياك والناس ، وعليك بالناس ، ولا بد من الناس ، فان الناس هم الناس ، وليس كل الناس بالناس ، ذهب الناس وبقى النسناس ، وما أراهم بالناس بل غمسوا فى ماء الياس . فكأنه تفرس فيه آفة المخالطة ، وأخبر عما كان هو الغالب على حاله فى وقته ، وكان الغالب أذاه بالناس ، والكلام على قدر حال السائل أولى من أن يكون بحسب حال القائل . وكتب معاوية رحمه الله إلى عائشة رضى الله عنها : أن اكتبى لى كتابا توصينى فيه ولا تكثري . فكتبت إليه : من عائشة إلى معاوية سلام الله عليك أما بعد ، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ، ومن التمس سخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس ))[13] والسلام عليك . فانظر إلى فقهها كيف تعرضت للآفة التى تكون الولاة بصددها ، وهى مراعاة الناس وطلب مرضاتهم . وكتبت إليه مرة أخرى ، أما بعد : فاتق الله فإنك إذا اتقيت الله كفاك الناس , وإذا اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا والسلام . فإذن على كل ناصح أن تكون عنايته مصروفة إلى تفرس الصفات الخفية وتوسم الأحوال اللائقة ليكون اشتغاله بالمهم , فإن حكاية جميع مواعظ الشرع مع كل واحد غير ممكنة والاشتغال بوعظه بما هو مستغن عن التوعظ فيه تضييع زمان .

 فإن قلت : فإن كان الواعظ يتكلم فى جمع أو سأله من لا يدرى باطن حاله أن يعظه فكيف يفعل ؟ فاعلم أن طريقة فى ذلك أن يعظه بما يشترك كافة الخلق فى الحاجة إليه , إما على العموم وإلا على الأكثر , فإن فى علوم الشرع أغذية وأدوية فالأغذية للكافة , والأدوية لأرباب العلل . ومثاله ما روى أن رجلا قال لأبى سعيد الخدرى : أوصنى , قال : عليك بتقوى الله عز وجل , فإنها رأس كل خير , وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام , وعليك بالقرآن فإنه نور لك فى أهل الأرض وذكر لك فى أهل السماء وعليك بالصمت إلا من خير , فإنك بذلك تغلب الشيطان . وقال رجل للحسن : أوصنى , فقال : أعز أمر الله يعزك الله . وقال لقمان لابنه : يا بنى زاحم العلماء بركبتيك ولا تجادلهم فيمقتوك , وخذ من الدنيا بلاغك , وأنفق فضول كسبك لآخرتك , ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالا [14], وعلى أعناق الرجال كلا [15], وصم صوما يكسر شهوتك , ولا تصم صوما يضر بصلاتك , فإن الصلاة أفضل من الصوم , ولا تجالس السفيه , ولا تخالط ذا الوجهين . وقال أيضا لابنه : يا بنى لا تضحك من غير عجب , ولا تمش فى غير أرب , ولا تسأل عما لا يعنيك , ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك , فإن مالك ما قدمت ومال غيرك , ما تركت , يا بنى إن من يرحم يرحم , ومن يصمت يسلم , ومن يقل الخير يغنم , ومن يقل الشر يأثم , ومن لا يملك لسانه يندم . وقال رجل لأبى حازم : أوصنى , فقال : كل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته غنيمة فالزمه , وكل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته مصيبة فاجتنبه . وقال موسى للخضر عليهما السلام : أوصنى , فقال : كن بساما ولا تكن غضابا , وكن نفاعا ولا تكن ضرارا , وانزع عن اللجاجة , ولا تمش فى غير حاجة , ولا تضحك من غير عجب , ولا تعير الخطائين بخطاياهم , وابك على خطيئتك يا ابن عمران . وقال رجل لمحمد بن كرام : أوصنى , فقال : اجتهد فى رضا خالقك بقدر ما تجتهد فى رضا نفسك . وقال رجل لحامد اللفاف : أوصنى , فقال : اجعل لدينك غلافا كغلاف المصحف أن تدنسه الآفات , قال : وما غلاف الدين ؟ قال : ترك طلب الدنيا إلا مالا بد منه , وترك كثرة الكلام إلا فيما لا بد منه , وترك مخالطة الناس إلا فيما لا بد منه . وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز رحمهم الله تعالى أما بعد : فخف مما خوفك الله , وأحذر مما حذرك الله , وخذ مما فى يديك لما بين يديك , فعند الموت يأتيك الخبر اليقين والسلام . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن يسأل أن يعظه , فكتب إليه : أما بعد , فإن الهول الأعظم والأمور المفظعات أمامك , ولا بد لك من مشاهدة ذلك , إما بالنجاة وإما بالعطب , واعلم أن من حاسب نفسه ربح , ومن غفل عنها خسر , ومن نظر فى العواقب نجا , ومن أطاع هواه ضل , ومن حلم غنم , ومن خاف أمن , ومن أمن اعتبر , ومن اعتبر أبصر , ومن أبصر فهم , ومن فهم علم , فإذا زللت فارجع , وإذا ندمت فاقلع , وإذا جهلت فاسأل , وإذا غضبت فأمسك . وكتب مطرف بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله : أما بعد , فإن الدنيا دار عقوبة ولها يجمع من من لا عقل له , وبها يغتر من لا علم عنده , فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوى جرحه , يصبر على شدة الدواء لما يخاف من عاقبة الداء . وكتب عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه إلى عدى بن أرطاة : أما بعد , فإن الدنيا عدوة أولياء الله , وعدوة أعداء الله , فأما أولياؤه فغمتهم , وأما أعداؤه فغرتهم . وكتب أيضا إلى بعض عماله : أما بعد , فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد , فإذا هممت بظلم أحد فاذكر قدرة الله عليك , واعلم أنك لا تأتى إلى الناس شيئا إلا كان زائلا عنهم باقيا عليك , واعلم أن الله عز وجل آخذ للمظلومين من الظالمين والسلام . فهكذا ينبغى أن يكون وعظ العامة ووعظ من لا يدرى خصوص واقعته , فهذه المواعظ مثل الأغذية التى يشترك الكافة فى الانتفاع بها . ولأجل فقد مثل هؤلاء الوعاظ انحسم باب الاتعاظ وغلبت المعاصى واستسرى الفساد , وبلى الخلق بوعاظ يزخرفون أسجاعا وينشدون أبياتا ويتكلفون ذكر ما ليس فى سعة علمهم , ويتشبهون بحال غيرهم فسقط عن قلوب العامة وقارهم , ولم يكن كلامهم صادرا من القلب ليصل إلى القلب , بل القائل متصلف , والمستمع متكلف وكل واحد منهما مدبر ومتخلف فإذن كان طلب الطبيب أول علاج المرضى , وطلب العلماء أول علاج العاصين . فهذا أحد أركان العلاج وأصوله .

(الأصل الثانى) الصبر . ووجه الحاجة إليه أن المريض إنما يطول مرضه لتناوله ما يضره , وإنما يتناول ذلك : إما لغفلته عن مضرته , وإما لشدة غلبة شهوته , فله سببان فما ذكرناه هو علاج الغفلة , فيبقى علاج الشهوة , وطريق علاجها قد ذكرناه فى كتاب رياضة النفس , وحاصله أن المريض إذا اشتدت ضراوته لمأكول مضر فطريقة أن يستشعر عظم ضرره , ثم يغيب ذلك عن عينه فلا يحضره , ثم يتسلى عنه بما يقرب منه فى صورته ولا يكثر ضررة . ثم يصبر بقوة الخوف على الألم الذى يناله فى تركه فلا بد على كل حال من مرارة الصبر , فكذلك يعالج الشهوة فى المعا